تعودتُ وإحدى صديقاتي في تراويح هذا العام أن نتوقف قبل دخول المسجد لقطف الياسمين، حتى إذا مددنا سجادة الصلاة في ساحة المسجد الخارجية نثرنا الياسمينات في موضع سجودنا .
في كل سجدة أغوصُ برائحة الياسمين، مع الياسمينات يصبح ل (سبحان ربي الأعلى) طعمٌ آخر!
واعتادت نسمات الهواء أن تبعثر الياسمينات على سجاجيد من جاورني، فأبدأ الصلاة بقبضة ياسمين منثورة أمامي، وتنتهي الصلاة، وقد بقي منها ثلاث أو أربع، والباقي قد انتشر دلالاً لسجودِ من جاورني ومن جاورهم، وهكذا..
ذات يوم في نهاية شهر رمضان، توجهتُ إلى المسجد غاضبةً من الاستهتار و قلّة الذوق التي انتشرت منذ بدء الحرب في حلب في ظل غياب أي محاسبة مرورية … عدوى قلة ذوق !
“شو عم يصير بالبلد، شو صرنا بغابة !! ناس بتسوق عكس الاتجاه، ناس بكل وقاحة بتسكر الطرقات هيك بوقاحة، واحد مسكرلي شارع بيتي هيك صافف بالعرض .. شو هاد!!! فوضى! طيب ما بيعملوا حساب لربنا بتصرفاتهم ..؟!!”
دخلت المسجد متأخرة، تسللت بين المصليات لأقف في بقعة اختارها الله لسبب .. أتممتُ صلاة العشاء و بدأت معهم بالتراويح..
أثناء الصلاة … هلّت علي رائحة الياسمين ، تبعتها ثلاثة ياسمينات أو أكثر استقرت بعد قفزات متتالية على سجادتي في موضع سجودي!!!
تفاجأت.. أتممت صلاتي، وعند التحية و السلام وجدت على يميني فتاةٌ لا أعرفها، نَثَرت ياسمينات في موضع سجودها! سَلّمت عليها .. ابتسمت حتى ما عاد فَمي يتسع لابتسامتي… ما عدت أعرف كيف ألملم في الصلاة بهجتي، أردت أن أستأذن من الصلاة إلى غرفة في المسجد لأقفز فرحاً، ثم أعود – بكامل بريستيجي- لأكمل صلاتي في وقار..
” الجمالُ معدٍ ..! الياسمين معدٍ..! أعيدوا الجمال لبلد الجمال، ولو بياسمينات مبعثرات ..”
كان هذا ما كتبته في رمضان 2014 .
رمضان 2015 .. ذهبت إلى المسجد، ولأن الأجواء حارة وحلب صار الأصل فيها غياب الكهرباء، حيث تعيش المدينة على اشتراكات مولدات الحي (أمبيرات) وتشترك كل أسرة بحسب مقدرتها المادية (وسطياً 3 أمبير أي ما يكفي للثلاجة و ضوء واحد و تلفاز) وحال المسجد ليس بأفضل، بالتالي صالاته غير مكيفة وإضاءتها خافتة، وكأن أديسون لتوِّه اخترع الكهرباء ..
وقفنا- الرجال والنساء- نصلي في ساحة المسجد الخارجية بيننا فاصل .. و بدأت محاولات القائمين على المسجد اليومية لإقناعنا نحن النساء بالصلاة في الصالة الداخلية، والنساء يرفضن طبعاً أن يطبخهن الرجال في فرن المسجد ..
نفس عميق .. وقفتُ أصلي وإلى جانبي صديقتي .. انتهت صلاة العشاء … هَمَسَت مصليةٌ إلى يميني: أنت رشا؟ رشا ناجح؟
– نعم
– عرفتك من الياسمينات على سجادتك..
دُهشت قليلاً … فالفتاةُ لا أعرفها أبداً!
أكمَلَت: العام الماضي بعد رمضان وصلني منشورك عن عدوى الجمال، كنتِ كتبتِ يومها عن أن الجمال مُعدٍ، وأنك تنثرين ياسميناتك في هذا المسجد، من وقتها أحببت هذا المسجد، وقرّرت أن آتي إليه في رمضان للصلاة .. تأثراً بمنشورك …
بدأت صلاة التراويح.. أَهديتُ سجودها من ياسميناتي، انتهت الصلاة … وجدتها تبحث في حقيبتها بلا تحديد عن أي شيء، كأنها تريد أن تهديني أي شيء لا تعرفه، أخرجَت قارورة عطر صغيرة وعطرت يديّ بها و يد صديقتي … أكملَت قائلة: رشا العام الماضي زرعتِ في نفسي جمالاً بكلماتك حتى تمنيت على الله لقاءك .. واليوم رتَّب الله هذا اللقاء قدراً، علماً بأني كنت متعبة وترددت في القدوم للصلاة .. لم أتوقع أن يرتب الله وقوفي إلى جانبك في هذا المسجد الكبير!… أهداني الله بك هدية صغيرة، وأنا سأهديك دعائي .
شكرتها …وباركتها بقلبي … ومضيت
مرّ عامٌ وما زال الجمال مُعدياً، و ما زال عصفور أطلقته العام الماضي يرفرف بجناحيه من كتف إلى آخر ..
أيُّ أثر هذا لكلمةٍ جميلةٍ تبقى بحرفيتها مزروعة عاماً في ذاكرةِ الفتاة!
ماذا لو أنّ كل دولةٍ كما تخصص وزارة للكهرباء والاتصالات والخارجية وغيرها، خصّصت وزارة جديدة: وزارة الجمال ..
حيث تُعنى الأخيرة بنشر كل جميل في الدولة… سواء جمالُ المظهر بتفاصيله الصغيرة (من تناغم ألوان وأحجام مريح للبصر) وصولاً إلى الجمالِ في التصرفات (اللباقة و الذوق عامة بين المواطنين) إلى الجمال المسموع (أصوات زمامير السيارات، صوت مرور بائع الغاز… وغيرها) لو أنني وزير الجمال، إذاً لفرضت على كل بيتٍ أن يزرع شتلة ياسمين على جداره !!
يقول محمود درويش:
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّة غامض
يستدرج المعنى، و يرحلُ
حين يتَّضحُ السبيل
أثرُ الياسَمينَة أيضاً ..!