أثار اعتقال الصحفي الكبير في قناة الجزيرة أحمد منصور موجة عارمة من السخط، خاصة وأن الاعتقال جاء على أيدي الأمن الألماني، وليس أجهزة أمن عربية. ألمانيا دولة أوروبية تحتكم إلى النظام والقانون، وليس إلى سلطة الحاكم والزعيم، كما هو الحال في معظم دول العالم الثالث. وعليه، فإن عملية الاعتقال جاءت مفاجئة، ومثيرة للاستغراب والرفض لدى الإعلاميين والمنظمات الدولية والأحزاب والجمعيات السياسية وغير السياسية.
بالطبع المسألة ليست أحمد منصور، ولكنها تتعلق باعتقال الصحفيين بناء على حيثيات سياسية أو إعلامية، وليس لأسباب جنائية، مثلا. وبالطبع، فإن الاعتقال في بلادنا العربية أمر عادي، سواء للصحفي أو غير الصحفي. وليس من الصعب “تفصيل” تهمة للشخص المستهدف، وزجه بالسجن شهوراً، وربما سنوات، دون أن تظهر الحقيقة التي يتم إخفاؤها بأساليب خبيثة.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن اعتقال أحمد منصور أثار ردود فعل مؤيدة لهذا الاعتقال من قبل منتقديه، ومن قبل معارضي نهج الجزيرة وسياستها الإعلامية. فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤيد الاعتقال، ويعتقد أصحابها أن منصور كان محرضاً ومثيراً للفتن، وأنه لولا قيامه بجرائم لما وقع في قبضة الأمن الألماني.
أحمد منصور ليس أول شخص يتم اعتقاله بتهم بعيدة كل البعد عن الصحافة والإعلام والرأي، ولن يكون الأخير. وهنا، ينبغي التوقف قليلاً عند الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الاعتقال، وحقيقة التهم التي توجه للصحفيين بشكل عام، ولمنصور بشكل خاص.
توقعت أن أقرأ تعليقات على طبيعة التهم الموجهة لمنصور، وهي: الاغتصاب، والخطف، والسرقة. ولكن لم أعثر على أي تعليق، سوى تعليقات تقول أن الاعتقال مبرر لأن التهم كبيرة. وهذا بالطبع هو رأي المؤيدين لاعتقاله. لكن، كنت أبحث عن تعليقات تسخر من هذه التهم البعيدة كل البعد عن المنطق، والتي تشير بشكل واضح أن من يقف وراء هذه التهم إنما هو عدو متربص، وبالتأكيد ليس له من الذكاء نصيب. فكيف لمذيع وإعلامي كبير، معروف، وله في الجزيرة عشرون سنة، وقبلها في مجلة الإصلاح سنوات أخرى، أن يكون لديه الوقت والقدرة على ارتكاب هذه الجرائم؟ هذا فضلاً عن أنه معروف من الناحية السلوكية والأخلاقية، في حدود معلوماتي.
إن اعتقال الصحفي أحمد منصور يجب أن يكون محطة مهمة في الجهود المبذولة لمنع اعتقال الصحفيين على خلفية الرأي والعمل الصحفي. فالأضواء التي سُلطت على اعتقاله، كانت نتيجة وجوده في محطة قوية وعريقة، الجزيرة. ولو أن ما حدث معه حدث مع غيره من الصحفيين الذين يعملون في مؤسسات إعلامية متواضعة، لما ثارت ضجة على كل المستويات لاعتقاله، وللبث في السجن بضع سنين، دون أن تتفاعل القضية على المستويين السياسي والإعلامي. لكن، رغم ذلك، فإن قضية أحمد منصور تمثل نموذجاً رمزياً لما يجري للصحفيين على أيدي حكومات في أماكن مختلفة من العالم.
من هنا، فإن تصعيد العمل لحماية الصحفيين من الاعتقال والاتهام والتلفيق، مسألة في غاية التعقيد. الجزيرة مثلاً، نجحت في تشكيل لجنة قانونية دولية في لندن من أجل حماية صحفييها، وبخاصة المصريين، من الملاحقات القضائية المصرية في العالم. وتمتلك هذه المؤسسة العملاقة الإمكانية الهائلة للدفاع عن صحفييها في المحافل الدولية ومختلف الساحات في العالم. ولكن هذه الإمكانيات لا تتوفر لكثير من المؤسسات الإعلامية. وبالتالي، فإن التضامن الصحفي على مستوى العالم، وتفعيل الآليات لحماية الصحفيين هو مطلب ملح، في وقت تشتعل فيه الأحداث في كل مكان، ويتم استهداف الكلمة في خضم الصراعات المتصاعدة. فالصحفي الذي يجرؤ على نقل الحقيقة يصبح هدفا للأنظمة والقوى السياسية والحركات المسلحة التي لا تتحمل النقد أو كشف الحقائق.
إن عجز المؤسسات الصحفية الدولية والمحلية عن القيام بواجباتها في حماية الصحفيين من الاستهداف والملاحقة والتهديد والاعتقال من شأنه، ليس فقط وضع الصحفي في دائرة الخطر، ولكن أيضا خفض قدرة الصحافة على نقل الحقيقة، وعلى جمع المعلومات ونقلها للجمهور، وبالتالي على قدرة الجماهير في تحديد وجهتها السياسية، وتصويب الأوضاع، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات. بمعنى أن استهداف الصحفي يؤثر على جوهر رسالته الإنسانية والأخلاقية في تزويد الناس بالمعلومات، ومساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة في حل مشكلاتهم.
نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تضافر جهود الإعلاميين لحماية الكلمة، والحقيقة، والصورة، والمعلومة. نحتاج إلى حماية الإنسان الذي يعتمد على الصحفيين في البحث عن حياة أفضل من شراسة الأنظمة التي تسعى لحجب الحقيقة، وقتل الكلمة في مهدها، ومنع الصحفي من القيام بواجباته تجاه الناس والمجتمع والوطن.