“الاتفاق النووي” إعادة رسم للنظام الإقليمي

صحافي لبناني مقيم في بيروت. عمل في العديد من وكالات الأنباء العالمية والصحف العربية واللبنانية مثل “النهار” و”الشرق الأوسط” و”الحياة”، وهو مختص في السنوات الأخيرة بالأزمة السورية وتداعياتها بالإضافة الى الحركات الإسلامية الجهادية.

منذ ما قبل التوقيع المتوقع على الاتفاق حول النزاع النووي بين إيران من جهة، ومجموعة دول 5+1 من جهة ثانية، خرج العديد من صنّاع السياسات والباحثين فيها، سواء في الغرب أو الولايات المتحدة تحديداً، بنظريات تصب كلها في خانة التهليل لما يمكن ان يؤدي إليه هذا الاتفاق من تحول إيران إلى دولة ديموقراطية على المستوى الداخلي ومحبة للسلام في الشرق الأوسط على مستوى الأداء الخارجي.

في أفضل الأحوال يعتبر ذلك نكتة سمجة انخرط فيها الإعلام الغربي كذلك حين بث صوراً من إيران ستينيات وسبعينيات القرن الماضي معتبراً أن زمن التحرر الاجتماعي والسياسي سيعود بمجرد توقيع الاتفاق النووي!

في الحقيقة، لا يعدو ذلك كونه منطقاً تبسيطياً ساذجاً في أحسن الأحوال، أو دعاية هزيلة للترويج للاتفاق.

ذلك أن كل السوابق التاريخية البعيدة والقريبة حتى تنطق بحقيقة واحدة: في كل مرة يجري فيها التخفيف من معاناة نظام قمعي لا يزيده ذلك إلا قمعاً في الداخل وغطرسة في الخارج.

لم يزد التهاون الغربي مع الديكتاتور النازي أدولف هتلر إلا المزيد من جنون العظمة لديه، ولم يشبعه التنازل عن دول وأجزاء من دول أوروبية لصالح الرايخ الثالث إلا في زياده شهوته للتوسع للسيطرة على أوروبا كلها، حتى اضطر العالم ليواجه بعد سنوات هتلر أقوى مما كان عليه عام 1933 وهذا جر بالطبع لحرب عالمية أكثر كلفة مادية وبشرية.

أما في منطقتنا العربية، فلم تحوّل أموال النفط دول الخليج العربي إلى واحات للديموقراطية أو ملكيات دستورية حتى، وانفصلت التنمية الاقتصادية بشكل كامل عن أي تنمية مرافقة للنظم الحاكمة البدائية مقارنة بالأنظمة السياسية التي تسود العالم.

آخر الأمثلة على ذلك، عشرات المليارات التي ضختها دول الخليج الداعمة لنظام المشير عبد الفتاح السيسي، حيث تبين بعد مدة قصيرة أنه حوّلها إلى حسابات مصرفية خاصة بالقوات المسلحة ليزيد من قدرات أدواته الأمنية القمعية بدلاً من انتشال الاقتصاد المصري من الهاوية.

وهكذا يأتي الاتفاق النووي، ليعيد لإيران ملايين من الدولارات المجمدة في أرصدة المصارف الأوروبية، بالإضافة إلى فك الحصار الخانق الذي تعانيه البلاد اقتصاديا ويحرمها حتى من الاستفادة من مخزونها النفطي الضخم بسبب تخلّف قدراتها في التكرير النفطي.

كل ذلك سيسمح لنظام الملالي والحرس الثوري الإيراني بالانتفاخ المالي الذي سيتم رمي فتات منه في عجلة الاقتصاد لذر الرماد في عيون الإيرانيين، بينما تزيد قوة النظام وقوة الحرس الثوري الذي يعد دولة داخل الدولة، حيث سيؤدي فك الحصار الاقتصادي إلى ضخ الأموال في مؤسساته ومصانعه التي تتولى العديد من مشاريع الانتاج في إيران، المدنية والعسكرية، وشفافية المناقصة في إيران غير قابلة للجدل طبعاً.

وإلى من يظن عكس ذلك، هناك مثال الديكتاتور صدام حسين الذي استطاع أن يستغل برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي أقرته الأمم المتحدة لتخفيف تداعيات الحصار الغربي عن الشعب العراقي، فحوله إلى منفعة شخصية للعائلة الحاكمة وحلفائها و”كوبونات” النفط خير شاهد على ذلك.

أما خارجياً، فإن إيران لم تتوقف عن انتهاج سياسة تصدير الأزمات والميليشيات إلى المنطقة حتى في عز الحصار المالي والاقتصادي ضدها.

فالحرس الثوري يقود عبر الجنرال قاسم سليماني حروباً معلنة وتدخلاً سافراً في شؤون دول المنطقة من العراق إلى سوريا فاليمن ولبنان، مباشرة وبالتعاون مع ميليشيات طائفية بعضها يقاتل بشكل نظامي مثل ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وشبيحة “الدفاع الوطني” في سوريا، وبعضها مثل ميليشيات أفغانية وباكستانية شيعية وأبرزها تنظيماً وتجهيزاً “حزب الله” اللبناني.

فطهران لم تتوقف عن الدعم المالي الكبير لنظام الديكتاتور بشار الأسد الذي استنزف موارد إيران المالية والعسكرية، بالإضافة الى دعم “حزب الله” في لبنان وميليشيات الحوثي في اليمن، كما دعم حكومة المالكي وبعدها حكومة العبادي في العراق.

لذا من غير المتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى تحول إيران إلى دولة سلام في المنطقة، خصوصاً أن منع إيران من امتلاك نووي أو تأخير حصولها على الأسلحة والصواريخ البالستية لن يمنعها من مواصلة دعم الميليشيات الشيعية في وجه الانتفاضات الشعبية لكن بحجة قتال داعش. ذلك، أن هذه الميليشيات تقاتل بالسلاح التقليدي العادي ولا تحتاج من حيث طبيعة المعارك أو حتى قدرتها التدريبية إلى أسلحة بالستية أو نووية.

ما تحتاجه إيران لزعزعة المنطقة هو المال، وهي على العكس من السعودية المترددة في أي دور تريد لعبه في المنطقة، لا تتردد طهران في استخدام مال النفط وذلك الذي ستجنيه من الاتفاق النووي في المضي قدماً لتثبيت نفسها قوة إقليمية كبرى.

ليست هذه مجرد محاولة لرسم صورة قاتمة بهدف معارضة الاتفاق، لكن ليس من المتوقع أن تتخذ الدول العربية السنية موقف المسلّم بالحلف الإيراني- الأميركي الجديد حتى لو كان تحت عنوان محاربة الإرهاب وأعني “داعش”.

هذه محاولة لإرساء نظام إقليمي جديد بمعزل عن إرادات جيران إيران، وهؤلاء سيردون بشتى الوسائل حتى لو تطلب ذلك التحالف مع “الشيطان” الإسرائيلي… على غرار حلف إيران مع “الشيطان الأكبر” الأميركي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top