عندما كنّا في الابتدائية، حلمنا بابتكاراتٍ تختطفنا إلى تخوم المستحيل. تخيّلنا عربات تقودنا إلى وُجهات نرغبها بمجرّد منحها الأوامر، وهواتف يتراءى فيه المتحادثان وجهاً لوجه، وأيدياً تتصافح عبر القارّات، وشاشات تتحسّس تفضيلاتنا فتتخيّر ما يطيب لنا من برامج المشاهَدة.
أفهمونا في نُظُم التعليم المدرسية أنها أضغاث أحلام ما هم لها بعارفين، وأنّ علينا التفكير “بواقعية” تجعلنا أجدر “بحياة ناجحة ومستقبل مُشرق”. حدّثونا عن مستقبل لم يكن سوى حاضرهم وماضينا، فالأحلام التي وأدوها في رؤوسنا سرعان ما تجسّدت حقائق نطاردها أو تطاردنا.
تعاظمت التقانة وتلاحقت تطبيقاتها، حتى تجاوزنا ابتكارات كالتي حلمنا بها في الصِّبا، إذ نجحت في المعامل وخرج بعضها إلى آفاق الرّواج. ومع مآلات كهذه؛ حرّرت نُظُم التعليم المدرسية شهادات عجزها عن تشوّف الآتي.
لم يدرك القوم بعدُ منطق التغيّر الجارف في عالمنا. لم يبصروا نُظُماً أحيطت بطقوس القداسة عهوداً مديدة؛ ثمّ باتت منزوعة الهيبة في زمن الشبكات الاجتماعية. ولم تتسع المدارك لاستيعاب الأرباح التي تتراكم كالجبال على ورثة قارون وقد حصدوا المليارات بضربات تقنية خاطفة، فأصبح مبتكرو موقعيْن أو ثلاثة مشغِّلي شعوب بأسرها؛ وإن لم يبلغوا “سنّ الرّشد” الذي أفهمونا إيّاه في تصنيف الأعمار.
تحوّلت خبرة الأجيال ومعرفة المجرِّبين إلى عبء على المسيرة، التي تنفلت خيلها مسرعةً صوب الأُفق. ومن لا يعترف بتحوّلات كهذه؛ هو ذاته من يلجأ إلى “الصِّغار” طلباً لمشورة تواصلية حديثة أو سعياً وراء تطبيقات التقانة المُذهلة، في برهان عمليّ على فجوة معرفيّة عكسيّة بين الأجيال، تحيل الآباء والأمّهات، والمعلِّمين والمربِّين، إلى مستمعين جيِّدين لمضامين التلقين من أبنائهم وبناتهم في حقول كهذه، بما يفرض استحقاقات حرجة على توازنات المعرفة و”علاقات الإنتاج” في النطاق الأسري والعملية التربوية تبدأ من التنازل عن امتياز الضبط والتحكّم.
حَلُم أسلافنا بالقمر آلاف السنين قبل أن تطأه قدما ابن آدم، ثمّ تقاربت الآماد الفاصلة بين الحلم والإنجاز وتقلّصت، ولعلنا اليوم شهود على انبهار بإنجازات لم نستوعبها بعد، أو لم نكن قد حلمنا بها ابتداءً لانسدادٍ في الأفق وقصور في التوقّعات.
تفيض العلوم على التقانة بخيارات سخيّة، وتتنزّل التطبيقات في حياتنا فتغيِّر ملامحها لنكتشف متأخِّرين كم غدَوْنا مختلفين عن أمسِنا. ها هي المبتكرات تحرم بعضَنا إطباقَ الأجفان، إذ تقتحم عليهم أيّامهم ولياليهم. ويتماهى العالم الافتراضي مع الحياة اليومية، فينزوي البشر عن التواصل المباشر إلى شاشات محمولة تصرفهم إلى أهواء متفرِّقة ولو كانوا تحت سقف واحد.
تفرض المُنجزات المتزاحمة اتجاهاتٍ جبرية على أنماط الحياة، فيصعب التخلِّي بعد التحلِّي، والانفلات بعد التجريب، حتى يُظَنّ أنّ الحرّ مَن لم يَنغمس بعدُ في هذا كلِّه فيعيش بداوة عصره صامّاً أذنيْه عن ضجيج كهذا؛ ولعلّه من الواقعين في هوامش المجتمعات؛ المتنازلين عن امتياز العيش في قرنٍ جديد.
يتفاعل أحدهم مع عوالم متوازية، يدير في غمرتها حواراتٍ متناقضة، يعزِّي هناك ويهنِّئ هنا، يبكي عند قريب ويوزِّع الابتسامات عند صديق. إنّها انفعالات اللحظة ذاتها في عالم يتداخل فيه الواقعي بالافتراضي. قد يضطرّ أحدهم لأن يتواصل متخطِّياً موطئ قدميه إلى عالم فسيح، حتى وإن بدا نصف نائم، إذ يتواصل بعين مفتوحة وأخرى مغمضة. فهل حدث هذا من قبل في تاريخ البشرية؟!.
هو العلم بمنجزاته إذ يأخذ الأجيال بعيداً عن الكتب والأسفار، ويضطرّها لبذل جهود شاقّة في استجماع قدراتها على التركيز، فيحيلها شاردة الذهن ومشتّتة التفكير، وإن بدت في تحفّز دائم أو تأهّب مستمرّ.
نَلِج أزمة التعريف والتحديد؛ مع مبتكراتٍ تفقد حدودها وتتجاوز صفاتها؛ ليصبح المذياع في التلفزة، والتلفزة في الهاتف، والهاتف في الحاسوب، والحاسوب في دقائقها جميعاً. هي منجزات يحسبها بعضهم في جيوبهم، بيد أنهم في جيبها هي إن لم يتصرّفوا برُشد.
وما زالت الثورة تتفاعل، تدهمنا بمستجدّاتها، وتقصفنا بتطبيقاتها، فتُخضعنا لمتطلّبات اللحاق بها، وتحملنا على أنماط من العيش وضروب من السلوك لا مناص منها، دون أن يقدِّم خبراؤنا وصفة إرشادية لأجيال صاعدة ومجتمعات منشغلة بهذا كلِّه. ويبدو أننا وَلَجنا عصراً جديداً دون دليل إرشادي يعيننا على استجابة رشيدة لتحدِّياته وتكيّف سليم مع استحقاقاته.
علينا أن نذكُر صغيراً حَلُمنا بتضخيمه، وضخماً تخيّلنا تقليصه، فآل الأمر إلى بحور من العلوم ورفوف من المعارف تختزنها رقاقة، بعد أن ضاقت بها دور الكتب وخزائن الحكمة. منّا مَن تصوّر مصانع تضخّ الأوراق النقدية على الحالمين بالثروة، ثمّ آلت الأموال من بعدُ إلى تفاعلات عددية غير محسوسة، تتعالى أرصدتها وتضمحلّ، ويتلاعب بها المغامرون والمضاربون في مكاتبهم وبيوتهم، ولا تعدو أن تكون مؤشِّرات تستبطنها الحواسيب والأجهزة التي حوّلت المال الممسوك بالأيدي إلى رسوم على الشاشات ما إن تَظهر للعيان حتى تتوارى، وفي ظلالها تلاعباتٌ فادحة بأرزاق الشعوب وأقواتها.
ما زال الحلم وفيّاً لدوره في استباق المُنجز والتهيئة لانبعاثه، شريطة تحطيم الأغلال الذهنية، والانعتاق من أقفاص التعليم المدرسي المنشغل بحشو الرؤوس بمقولات بالية وخطاب أحاديّ اللوْن، بغرض تخريج طوابير منضبطة، تمجِّد “إنجازات القيادة الرشيدة”؛ أو تصنيع الشهادات التي يمسك بحمَلتها زعماءٌ استتبّ لهم الأمر، وقد يتبدّل الولاء سريعاً بالمنطق ذاته إذا ما عثر المُحبَطون على زعامات يبزغ بريقها من الخنادق أو ثنايا الجبال.
يفتح العالم بوّاباته على آفاق التواصل، وما زالت أجيالنا تُساق كلّ صباح إلى طوابير تُحيِّي العَلَم وتمجِّد الصنم الذي جمّدوا صوره في الوعي الجمعي؛ فقدّموه بما يرقى على صنف البشر. ولكلّ رقعة ممزّقة عَلَم وأغانٍ تقدِّس أسلاك العزلة عن الأمّة وسياقها الحضاري وعالمها الفسيح، وقد قيل في اللافتات إنّ كسرة الخبز الصغيرة تأتي “أولّاً” قبل الرغيف، وإنّ الانتماء إلى الرقعة المسيّجة في الجغرافيا والأذهان، كفيل بأن يمنح امتياز التعالي والتفاخر على المنتمين إلى ما جاوزها من الرِّقاع.
مؤكّد أنّ عالمنا متحوِّلٌ متغيِّر، وإن لم ندرك ذلك تماماً. وفي أطوارٍ بعينها تتسارع دورة التحوّلات الجارية من تحت الأقدام، فيتعاظم الإحساسُ باللحظة التاريخية التي تفترقُ فيها الأحوالُ افتراقاً بَيِّناً بين الأمس والغد.
ولأنّ غياب الوجدان لا يعني انتفاء الوجود؛ فإنّ انصراف الوعي عن واقع متحوِّل لا ينفي الانغماس في لحظة تاريخيّة غامرة، تُخالجها تبدُّلات ظاهرة وتفاعلات عميقة، تتجلّى سياسةً واقتصاداً، إعلاماً وثقافة، علوماً وتقانة.
ولا ريب أنّ الوعي باللحظة التاريخية ملمح صحيّ، وإن استدعى قلقاً متأصِّلاً من التغيّر والتطوّر، أو مخاوف من الانجراف تحت عجلة التحوّلات؛ بيد أنّ الخيار في هذا هو التماسك واستجماع الإرادة وحشد القوى لعبور المرحلة إلى مستقبلٍ واعدٍ وآمِن.
فما لأجيالنا من خيار سوى التهيّؤ للتحوّلات التي لا تعبأ بمن تتملّكهم الغفلةُ وتستولي عليهم اللحظةُ الداهمة. ولا مناصَ من اغتنام التغيّرات بمبادرات تساهم في تشكيلها وتوجيهها، والسعي للإمساك بزمام المرحلة بدل الانخراط في طابور اللاهثين في لحاقهم بعربتها الأخيرة.
وفي أطوار التحوّل والتبدّل؛ تَبرُز حقائقُ جديدة، وتَلوحُ متغيُّراتٌ تنتزع الاعتراف بدورها الصاعد أو سطوتها المهيبة، ولو متأخِّراً. وفي هذه الأطوار؛ نجومٌ تهوي، وكواكبُ تأفل، ومشاعلُ تخبو، وأضواءُ تنطفئ. وبين هذه وتلك؛ سُنَنٌ مركوزة في دنيا النّاس، يُفلِح من يأخذ بأسبابها، ويخيب من يتقلّب دونَها؛ فقد تتقوّض آماله وتتبخّر أحلامه.
لنعلِّم أطفالنا كيف يحلمون بغد يسخر من حاضر نفغر له أفواهنا دهشة وعجباً، لنشجِّعهم على الإبحار بطموحهم الإنساني إلى عمق الخيال الذي يهيِّئ أذهانهم لاستعمال حقّ المشاركة في الرِّيادة، بدل انتظار الآخرين وتلقّف ابتكاراتهم. لنأخذ بأيديهم فنضيء لهم سُّبُلاً لا تستدرجهم إلى حاضرنا، فقد خُلقوا لزمان غير زماننا.
وليجرؤ القوم على الامتثال لمقتضي الشعارات الزاهية المرفوعة في الأرجاء، عن “الجيل الجديد… أعزّ ما نملك”، وعن ثروتنا الحقيقية “الذين هم أنتم… يا من تصنعون غدنا المشرق!”.