لا أعلم بمَ أبدأ ولم أفكر قط أن أكتب أكثر من رأي من سطرين أو مقطعاً صغيراً أنشره على صفحات التواصل لكن أن أكتب كلاماً منمقاً في حدود ال٥٠٠ الى ٨٠٠ كلمة فهذه أول مرة لذلك استحملوني واستحملوا أي أخطاء أو كلام مكرر في معناه:
سأبدأ بما أظن أنني كنت أفكر فيه منذ مدة وهو أنني كنت دائماً أفكر أنه بعد والدي ووالدتي لن أتأثر بإنسان آخر. كم كنت مخطئة وأظن مغرورة… نعم وذلك لأن الإنسان معرض ان يتأثر بمن هم أكبر منه سناً وخبرة ولكن أيضاً بمن هم أصغر منه وأبعد منه بصيرة. تأثرت خلال حياتي الطويلة بأشخاص يعدون على أصابع اليد الواحدة وليس لأنني أخال نفسي أفضل ممن أقابلهم بل لأنني لم أدخل إلى أعماقهم ولم أتعرف عليهم فعليا وكانت معرفتي بهم تقتصر على لقاء أو سهرة أو عمل إلى أن أتى اليوم الذي تعرفت فيه إلى إنسانة قد أكون تأثرت بها لأنها تشبه أمي قليلاً وأنا أشتاق إلى أمي كثيراً فنفذت هذه الإنسانة إلى داخل قلبي وسكنته وأضفتها الى من أحبهم فعلياً.
هذه الإنسانة هي الراحلة وردة. عندما التقيتها لأول مرة لم أر نجمة، لم أشهد أسطورة ولم أكلم عملاقة من عمالقة الفن العربي بل تعرفت إلى طفلة كل همها أن تلاعب القط الذي جلبته لها معي و هنا في لحظة غريبة رأيتني أقبل وجنتها لا أعلم لماذا وما الذي اعتراني أما هي فقامت بضمي إليها ولم تعلم لماذا.
هي اشتاقت إلى ابنتها وأنا إلى أمي وكانت هذه اللحظة التي من بعدها أصبحنا وكأننا نعرف بعضنا دهراً كاملاً وليس دقائق. مر أسبوع وسجلنا لقاءً أحبه العالم كله وبالأخص أهلها في الجزائر ومن فرط حبهم لها أصبحوا يحبونني أيضا وبعد أن مر هذا اللقاء بقيت هي وأنا على تواصل وكانت تدعوني إلى مصر وعندما ذهبت إليها طبخت لي بنفسها وكانت تلبس عباية مطرزة وكان شعرها ناعماً تضع عليه تاجاً رقيقاً وتبتسم. طوال الوقت تبتسم. ما أطيبها وما أجمل ابتسامتها وما أروع لقاءها وما أعطر ذكراها.
في يوم كنت أتحضر للنوم وكنت أقرأ بعض التغريدات لأجيب عليها قبل ان أغفو وفجأة امتلأت صفحتي بتغريدات تطلب مني الصبر ويعظمون أجري . لم أستوعب وظننت أنهم مخطئون وقصدهم أن يعزوا شخصاً آخر إلى أن قرأت بمن يعزونني… وردتي. وردتي ذبلت ورحلت.
أذكر أنني بكيت كثيراً وقام بعض الإعلاميين من أصدقائي بالاتصال بي وكأنني قريبتها او من أهلها، والناس وكل من أعرفهم يطمئنون علي. كيف عرفوا انني أحببتها لهذه الدرجة؟ كيف شعروا بمدى ألمي لرحيلها ومعرفتي بها لم تتعد شهراً أو شهرين؟ كان ذلك غريباً جداً.
منذ شهر تقريبا دعيت مع مجموعة كبيرة من الإعلاميين والفنانين إلى حفل يكرم ذكراها في مدينة الجسور المعلقة قسنطينة في الجزائر. كم كنت سعيدة أني كنت ممن أراد ابنها رياض أن يكون حاضراً لتكريم والدته وهناك تعرفت على أشخاص مثلي أحبوها وأتوا من كل حدب وصوب ليكرموا هذه الشخصية التي تركت بصمتها وشذى عطرها على من أحبتهم. هي من أحبتنا وهي من أجبرتنا على حبها.
بعد رحيلها أُطلقت أغنيتها “أيام” وعندما سمعت كلمات هذه الاغنية تأكدت أن مهما فعلنا ومهما علا شأننا ومهما أصبحنا محبوبين علينا أن نتصالح مع أنفسنا ومع من آذيناهم لكي ننام بعدها مطمئنين سالمين. هي نامت هانئة مبتسمة وتركت عالماً متخبطاً أحمر سـأتوغل في الحديث عنه في مقال آخر إنما الآن كلمة أخيرة…
بعض الناس تعرفهم طوال حياتك يمرون مرور الكرام ولا يتركون معك شيئاً وأشخاص تتعرف إليهم لبعض الوقت ولكنهم يتركون جزءاً منهم معك للأبد.
سلام