عن النهايات

ليس للحب إلا أن ينتهي، أليست هذه وظيفته الأزلية يا كارلوس؟ أن يتركنا منتظرين ثم يتجاهلنا؟. بعض الأشياء التي يطول انتظارها تأتي بطريقة متعثرة تجعلنا نتمنى أن تعود كما كانت: بعيدة ونادرة.

الفساتين الجميلة لم تعد صالحة للارتداء بعدما حال البرد بينك وبيني، لم يعد لنا شجرة محبوبة أو مكان حميم، فحرمة الأشياء المشتركة بيننا قد تبددت بفعل الزمن أو _ دعنا لا نظلم الزمن_ لقد تبددت عنوة، بددناها بأيدينا، نحن الشقيين. لماذا أصبحنا نتحدث علانية، وكأننا نخبر الناس بأنّ ما بيننا قد زاغ، أو بأنّ الذي عرفوه وأحسّوه من محبتنا كان سراباً وخطيئة. بعدما أرهفت للهمس أسماعنا، وحفظنا تلونات الكلمات بصوتينا الذين كانت تختلط بهما الأنفاس ونحن نتقارب بجسدينا لنسمع بعضنا بشكل جيّد.

كل ما اختلقناه من المواقف وما استحدثناه من المناسبات قد انقلب الآن إلى كُرات من كآبة ترمينا بها شهور الشتاء مذ زحف هذا الشتاء كلصّ إلى أيامنا التي كانت تفكّر بالتفاوض مع الشتاء ليكون رحيماً قليلاً. لا يوجد شيء مضمون النفع يُعينك على تخطّي الأزمة، فالعلاقة القلبية حين تُصاب بنوبة فليس بيدك إلا أن تنتظر وفاتها، وأثناء انتظارك هذا، ستشاهدها بملء عينيك وهي تتحشرج، تتقطع أنفاسها، تحاول التقاط المساعدة والإنعاش، ثم ينقطع رجاؤك حين تتوقف عن الحراك.

الفراغ الذي يعقب ألم النهاية أشدّ تنكيلاً من النهاية نفسها. أنت الآن خائف وحزين، قلبك لا يستجيب مجدداً، عقلك يعمل على رسائل التحذير، ليس ثمة ملائم، وعجلة الحياة قد تباطأت بطريقة مستفزة. يقلقك ألا تغدو مفهوماً، وأنك قد تقدّمتَ في التجربة بما يضمن لك بأنّ عقدتك النفسية المنصرمة قد ازدادت، بما يعني بشكل شبه مؤكد بأنك لن تلقى ذاتاً شبيهة بما تحلم به من النضج الذي وصلتَ إليه. وعليه فإنّ عليك البدء من جديد مع ذات بسيطة لم تصطدم بعد بتجربة عميقة، وهذا بحد ذاته أمر كارثيّ بالنسبة إليك. أن تفقد قلباً عاش زمانك، وفهم منحنيات فكرك، عرف كيف تحب أن تكون حين يغضبك أمر ما، وكيف تود أن تنفس عن أحزانك، أدرَك الفرحة حين تطل من عينيك، ووعَى تماماً أبجديات ابتعادك واقترابك. أن تفقد مثل هذا القلب وأنت في معمعة الوقت فإنّ هذا سيعطلك عن الحياة لعمر طويل. هل كنا نعلم بحجم الخسارة هذه حين تهاونّا واخترنا ألا نبالي؟ هل كنا مدركين بأنّنا حين نقفي مبتعدين فإنّ احتمال العودة دون اغتراب أو مسافات هو شيء أقرب للمستحيل؟ هل كنا…؟

ضمّة واحدة تلم بها شتاتي وتعبي، أحلم بها، أتخيلها في الزوايا والأمكنة التي ستجعلها قصة خالدة. ضمة أحملها في حقيبة قلبي حتى القبر. وحين أموت سيقول الذين أخبرتهم عن هذه الضمة بأنها كانت حظي الوحيد من أحلامي. وبأنني عشت عليها، وكانت حياتي بها معشوشبة مزهرة. ستقول صديقتي المفضلة بعد أن أموت: ضمها رجل تحبه ذات نهار مشمس، وكانت رائحته تتخلل خلاياها: مزيج من عرق وتبغ وعطر باهت غير معروف. كان يطوقها بساعديه وهي مرخية ذراعيها… على قميصه أثر مرطب الشفاه الذي امحى حين تلقتها ذراعاه، وعلى خديها آثار قبل متتابعة صبتها لهفته وحرمانه. وقتئذ… كانت لا تدري أتغمض جفنيها لتعيش اللحظة أم تفتحهما لتحظى بالمزيد.

أما الآن وقد لاح أوان الخريف، وقام يمشي بأمطاره وأوراقه الصفراء على قلبي… لم يترك لي مساحة من الاحتمال أتقوی بها على سؤالك: لماذا وصلنا إلى هذا المكان، وما الذي كنا نريده. لم أعد ريانة لأضحك كلما اصطدمت يدانا أو تعرقل أحدنا بالآخر عمداً واشتعالا… أو كلما _ في زحمة الناس_ رميتَ كلمة بعينيك، أو حمّلتَ الهواء قُبلة… وأنت أنت صاحب الصبا والخيال أصبحت تتحاشاني من عشرات المسافات كي لا أُذكِّرك بهذا، وكيلا أثقل على قلبك المتعَب بالمواجهة. لأنّ هذا الذبول لا إجابة له… لأننا حين نفيق من سكرة الحب لا نملك أي مبررات… لا نعلم حتى متى أصبح ذلك الساحر الفاتن بشراً عادياً…

حين تنتهي الأشياء نتهرّب من الأسئلة.

أماندا

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top