الأدوية الكاذبة

في العادة لا أحتاج لمن يعبّر عني لكن هذه المرة أقف أنا والصفحة البيضاء أمامي لا أجد حرفا أكتُبه، لا أعرف كيف أُبرّئ نفسي أمام أشباح القتلى ودماء الجرحى ونواح الثّكلى ودموع الأيتام، لا أجد تفسيرا ولا تبريرا وما أكتبه هنا سيكون مجرّد متنفس لا يرقى إلى التحليل ولا الشرح ولا حتى الإيضاح، بما أنّنا عدنا للجاهلية الأولى سأقف وأبكي على الأطلال.

يطارد الكلب ذيله لأنه لا يعرف أنّ الذّيل جزء منه وكذلك نفعل الآن، حيث يقتل الأخ أخاه لا يعرف أنّه جزء منه فمتى ما عرف الكلب أن الذيل ذيله توقف ومتى ما أدركنا أنّ الأخ أخانا تمادينا، فكيف غفلنا وعقلها الكلب؟

ولقد مررنا عبر هذا الطريق من قبل وشهدنا أقواما غيرنا تعبره حيث تُقطع أواصر القربى بسيوف المطامع عبر خطوات معروفة يشارك فيها الجميع، تلغي عقولنا وتحوّلنا من مخلوقات وديعة سعيدة -بالقدر الممكن – متعايشة في شعب واحد إلى عدة شعوب شرسة متناحرة على قطعة أرض واحدة.

وإن كانت الدولة فشلت خلال أكثر من نصف قرن استقلال في إخراج هوية بيومترية، فمجتمعنا فشل خلالها في أن يتخلص من النزعات القبلية والأحكام العصبية، ويستخرج هوية جزائرية خاصة تخلو من الأحكام الشمولية الجزافية فعندنا سكان الشمال “زواخين”، وسكان الغرب “سكارجية”، والسوافة “بخلاء”، والشاوية “رؤوسهم خشان”، القسنطينية “يهود”، والمعسكرية “أغبياء”، والقبايل “ميصوموش”… وغيرها مما نعرف ولا نعرف والذي يصل لحدّ التفريق حتى بين سكان الحي الواحد والشارع الواحد.

وهذه الأوصاف لا تصلح فقط لإلقاء النكت السمجة، بل يمكن إذا وجدت رأسا يؤججها ويزيدها عنصرية وتفرقة ثم يرسم للطرف الآخر قرونا ويشيطنه وينزع عنه كل صفات الإنسان، ويسمهم بكل سمات الحيوان ويصوّرهم على أنّهم أعداء الله أو جرذان أو متوحشون، ثم يحرّك الطوائف بقوة وقسوة ويحول الجموع إلى عصابات وما على الصحف إلا أن تحول الضحايا إلى أرقام لتكمل بقصد أو بغير قصد مسيرة تشيئ الإنسان لتبدأ دائرة الانتقام، حيث لا مجال لإيقاف قطار انطلق بالفعل حتى يصل إلى المحطة حيث أعداد الضحايا تفوق كل خيال، وهذا ما حدث حرفيا في صربيا ورواندا وحتى اسبانيا وفي أبشع الحروب الأهلية في التاريخ.

أما في الجغرافية فوادي ميزاب يعدّ من الأودية الكاذبة لأنها تظهر وتجف فجأة فإذا ما فاضت فإنها تغرق الجميع في طريقها، وما شهدته غرداية خلال السنوات الأخيرة من أحداث تظهر فجأة وتختفي فجأة يشبه كثيرا هذا الموقع الجغرافي فلا داعي لانتظار الطوفان، خصوصا وأن كل المقومات السابقة قد توجد هناك وبسهولة ولا تحتاج إلا لبعض المصالح الداخلية أو الأطماع الخارجية أو حتى الإهمال السياسي لتتحول إلى لا قدّر الله حرب أهلية، تغير الخريطة في زمن انتهت فيه صلاحيات سايكس بيكو من أجندة المصالح العالمية ..الكرة الآن في ملعبنا أن نستغل الأحداث كتطعيم نتعلم ونتعالج منه أو أن نقع في الفخ.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top