” في عملية لإحصاء الظواهر غير الصحية التي تهدد المجتمع العربي والإسلامي, وجدنا إنها لا تعد ولا تحصى وأن الدول العربية بصفة العموم أضحت متمسكة بوظيفة الاستيراد لثقافة وسلوك العالم الغربي, دون مبالاة بأن هذه السلوكيات قد تتحول يوما إلى أمراض, وقد نجد الغرب في حد ذاته يتجنبها ويبحث عن حلول بديلة ليحمي شعبه و مواطنيه من شرّها…”
في ظل التسارع المعلوماتي والتكنولوجي الذي يعيشه العالم المعاصر, نشهد ظهور منتجات إلكترونية كان الغرض منها تفعيل التواصل بين الأفراد وحتى المجتمعات والتجمعات البشرية, قصد بلوغ التفاعل البشري والاجتماعي, وكذلك ظهور برامج وتطبيقات تساهم في تسهيل و تبسيط الممارسات اليومية, وحتى من الجانب العملي والمهني, فنجد المواقع الإلكترونية و نجد وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وانستغرام, ولا ينكر أي منّا مدى التفاعل الكبير من الجماهير العربية مع وسائل التواصل الاجتماعي, وكذلك نرى مدى التجاوب الشبابي مع تطبيقات هذه الوسائل ومدى استفادة شريحة كبيرة من شرائح المجتمع العربي وحتى الغربي من هذه الوسائل والتكنولوجيات في هذا العالم, وهذا وفق ما تتطلبه الحياة المعاصرة, لكنّ كذلك لا أحد ينكر مدى المساوئ التي ألحقها هذا التطور بالمجتمعات العربية, من انحلال أخلاقي وانحراف شباب المجتمع الإسلامي, واستيراده لقيم غربية أضحت الأصل والحضارة وقابلتها قيمنا وتقاليدنا ماركة مسجلة للجهل والتعقيد حسب شريحة مسّها مرض العولمة.
من عادتي أنّي لا أخوض في الظواهر الاجتماعية لأنها ترتبط بالإنسان, الذي بدوره هو متقلّب المزاج ومتغيّر السلوك, فلن أكون أهلاً لتقييم حال الإنسان في مجتمع سمته التغيير والتنوّع البشري, لكنّ لم أستطع المقاومة أمام تفاقم أزمة اضمحلال الهوية الثقافية وموت جذور العزّة في النفوس العربية, أرى في شباب تعاقب على سلوك يقيّد من الفكر ويربك الذات و يجعلهم مرضى نفسيين, ظاهرة السيلفي أو ما يعبّر عنه لغةً بالتقاط الصور ذاتياً, ظاهرة اكتسحت العالم الاجتماعي المفترض و ذلك بغزو آلاف الصور اليومية التي تعكس مراحل متعددة من الحياة اليومية للأفراد في اليوم الواحد وبأشكال مختلفة .
سيلفي ووقت الصلاة, سيلفي أمام الكعبة المشرفة, سيلفي مع رهائن, سيلفي مع معتقلين من داعش, حتى أوقات النوم لم تسلم من هذه الظاهرة المرضية التي عصفت بحرمة الحياة الخصوصية وحرمة الشعائر الدينية وسترة أعمالنا و تصرفاتنا, هذا مع إقرار أطباء نفسيين أن هذه الظاهرة دخلت الإطار النفسي بشكل رسمي وأن التقاط أكثر من 3 صور سيلفي في اليوم هو بداية أعراض المرض, هذا ونلاحظ تمسّك الشباب العربي والإسلامي بتقاليد الغرب أكثر من تقاليدنا كما ذكرنا التي تبدو لهم رموزاً للتخلّف والتعقّد حسب رأيهم وأن مواكبة العولمة وعصرنه القيم وغربنتها متطلب من متطلبات العالم المعاصر, فهل التقاط الصور بشكل ذاتي و بصورة مفرطة هو نوع من أنواع التقدّم البشري والتطوير المعرفي؟
على الشباب العربي أن يتأكد أن مواقع التواصل الاجتماعي, هي مواقع صحيح أنها للترفيه بالدرجة الأولى و التواصل البشري, لكن إن كان استخدامها علمياً وعمليا كان له من السلاسة والسهولة في الحياة العملية, وهذا جانب إيجابي لكن في حدود المعقول, لكن ما نراه أن هذه المواقع تحولت إلى مواطن إلهاء وبعث تصرفات وسلوكيات خارجة عن النطاق الأخلاقي هذا من جهة, ومن جهة أخرى أنها أضحت سوقاً مفتوحاً للمعلومات والصور الشخصية, و كذا مصدر لقتل العمر البشري, وذلك عن طريق الإدمان المفرط، والاستعمال الجانبي والهامشي لهذه الوسائل التكنولوجية, فاستعمال الهواتف الذكية لالتقاط عشرات الصور اليومية فقط لتناقلها بين صفحات المواقع الاجتماعية هي فعلاً ظاهرة علينا دراستها, ودراسة انعكاساتها السلبية على نفسية الأفراد وكذا المجتمعات بصفة عامة, خاصة إن احتسبنا أنّ الزمن الذي يمضيه شباب الأمة هو بمعدل 65 إلى 70 بالمئة على صفحات التواصل الاجتماعي, وأن أكثر من60 بالمائة من شباب الأمة يمضون الأيام في التقاط صور السيلفي, إذاً فعلاً نحن أمام معضلة ومشكل ثقافي واجتماعي, له أبعاد هامة في العمق الثقافي العربي والإسلامي, وهذا حسب رأيي…
لذا أعتبر مقالي هذا هو رسالة مفتوحة لكلّ شباب الأمة الإسلامية قاطبة وإلى شباب الجزائر بالخصوص ودعوة إلى عدم الإفراط في تبني هذه السلوكيات المرضية التي تأتي على قيم وعادات و مرتكزات الهوية الثقافية للإنسان وتعمل على تدمير الموروث الحضاري والثقافي للعرب والمسلمين بشكل عام. لهذا لازلت أتمسّك بطرحي و فلسفتي الخاصة أنه ليس لحالنا دواء إلا ثورة فكرية شاملة جديّة يصنعها الشباب الإسلامي والعربي للارتقاء بالكيان الثقافي وتنمية مردودية المثقف العربي لمواجهة أمراض وفيروسات المجتمع الغربي… وإلّا فسلام عليك يا أمةّ الإسلام…