شهادة من الداخل على التغطيات الإعلامية المصرية للانقلاب العسكري وماتلاه
وأنا صغير، سمعت من والدي ومن هم في سنه ذات الجملة، “إن أردت دخول بحر الإعلام، فعليك بتجارب الماضي” والماضي بعيد والقراءة صعبة، ولذلك كان الخيار الأسهل في ذلك الوقت أن تتابع “تجربة حياة حسنين هيكل، الذي يحكي عن الماضي، كل الماضي بصيغة الحضور والمتابعة وبلغة الوثائق، شاب مثلي في مقتبل عمره، مازال يدرس النحو والصرف والمطالعة والنصوص في الثانوية الأزهرية كان غرًا بما فيه الكفاية ليغرق في تفاصيل الرجل، وكان أكبر الأمور إثارة، كيف حضر الرجل كل هذه المناسبات! ” بغض النظر إن كان حضرها جميعها كما يحكي، أو أنه خياله الخصب أوحى له بواقع العمر معظم الروايات كما يقول البعض”
عذرًا على المقدمة الطويلة، ولكن شاء القدر للصغير أن يكبر ويدخل الكلية التي أراد، وشاء الله أن يعمل مراسلًا في إحدى القنوات المصرية الخاصة “التابعة لإحدى الدول الخليجية” خلال فترة هامة في تاريخ مصر تقريبًا بداية من يناير ٢٠١٣ وصولًا الى الاستقالة أكتوبر ٢٠١٣ مرورًا بأحداث الانقلاب العسكري- مذبحة ماسبيرو- مذبحة المنصة- مذبحة الحرس الجمهوري- فض اعتصامي رابعة والنهضة- مذبحة ٦ أكتوبر ٢٠١٣- بالإضافة إلى تفويض الجيش وفاعليات مؤيدي عبد الفتاح السيسي وغير ذلك من الأحداث الهامة والتي نصادف ذكراها الثانية هذه الأيام، وهو وقت مناسب لشهادة تأخرت كاملة، ولكنها طُرحت منفصلة من قبل.
بالطبع عزيزي القارئ، لا تحتاج معلومات أو قرائن لتعرف أن الإعلام يكذب، ولكن دعني “أزيدك من الشعر ،بيتاً ” وبما أن اليوم ذكرى التفويض الثانية، فلتكن الشهادة عن ما حدث يومها على أن يتبعها جزء آخر وأخير للحديث عن “تغطية اعتصام رابعة- مذبحة المنصة”.
صبيحة يوم الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٣ “ما عُرف إعلاميًا بجمعة تفويض الجيش” مراسلو القنوات المصرية الخاصة يتجولون في شوارع القاهرة “طبقًا لتوزيع قنواتهم لهم” كان قدري أن تكون مهمتي متابعة منطقة “قصر الاتحادية ومحيطها”.
تليفون صباحي من مسؤول المراسلين في القناة- “حسام انت عارف اليوم ايه؟” أجبته بالإيجاب، اليوم يوم مظاهرات تفويض الجيش، قال مرة أخرى في إيجاز وبنفس واحد طويل; “اليوم التفويض، يعني الجيش لازم نع**** غير مسموح بأي تعقيبات مسيئة أو أي تغطيات لمناطق أو تظاهرات أخرى غير تظاهرات مؤيدي الجيش اليوم، ولو مش هتقدر تعمل كده تقدر ترجع المكتب الآن”
أجبته بنفس واحد أيضًا، أني سأكون حياديًا وأحاول نقل الصورة كما هي، أجابني “ياحسام باقولك ع** للجيش” انتهت المحادثة الأولى الصباحية، واتصلت بزملاء آخرين وعرفت أن السيد اتصل مع بعض الزملاء الذين يعلم أنهم ليسوا متوافقين مع “المسرحية”، مر اليوم وحاولت مرارًا خلال مداخلاتي في ذلك اليوم، أن أُعرج على أن اعتصامًا في ميدان رابعة العدوية يجري في ذات الوقت الذي تجري فيه مظاهرات الاتحادية ويعارض بشكل قاطع أهداف هذه المظاهرات، وللأمانة لم يُعقب المسؤول والذي بدا أن التدخل التحريري في هذا اليوم كان بمحض إرادته “عكس التدخلات القادمة”… وبعد نهاية اليوم علمت أن مظاهرات معارضة للانقلاب نُقلت في حادثتين منفصلتين في ذلك اليوم على شاشة القناة وكأنها مظاهرات مؤيدة للسيسي، الحادثة غيض من فيض، وقِس على ذلك الكثير.