الرسام الأفضل في العالم

هل تعرف شخصاً مبدعاً جداً في مجال ما، لنفترض أنه الرسم مثلاً، لكن أحداً لم يسمع به؟

وهل تعرف شخصاً آخر يعمل في نفس المجال (الرسم) ولديه قدرات متواضعة فيها لكنه مشهور ويعرفه الكثيرون)؟

تتكرر هذه القصة كثيراً. فقد تقرأ رواية بيعت بالملايين لتلاحظ أنها ركيكة وغير متقنة الحبكة.

وبنفس الوقت تقرأ رواية أخرى لا يعرفها أحد و بالكاد تباع منها نسخة او اثنتان في اليوم، ولكنها رائعة حقاً في الأسلوب والحبكة.

وبسبب تكرار هذه القصة، فإنها تكاد تكون قانوناً عاماً، فالأشهر ليس بالضرورة أن يكون الأفضل.

لكن ما السبب وراء ذلك!!

في الحقيقة فإن النجاح في الحياة لا يتعلق فقط بمهارتك التقنية في ما تريد أن تنجح فيه، بل يتعلق أيضاً بعوامل أخرى عديدة
وبذلك سنقسم المهارات إلى قسمين:

مهارات تقنية، كالرسم والكتابة والغناء وغيرها من القدرات الأخرى التي نتعلمها في الجامعات عادة ونتخصص بها
ومهارات غير تقنية وليس لها علاقة مباشرة بما تريد أن تنجح فيه.

المهارات غير التقنية هي جميع المهارات التي ليس لها علاقة مباشرة بالتخصص، وهي كثيرة ومتنوعة، ويختلف تأثيرها من تخصص لآخر.

من المهارات غير التقنية سلوكك، علاقاتك الاجتماعية، معرفتك بالأشخاص المؤثرين، جنسيتك، عائلتك، المكان الذي تعيش فيه، غناك أو فقرك وغيرها الكثير.

الآن لنفترض أن لديك قدرة توازي قدرة أفضل رسام في العالم، ورسمت لوحة فنية رائعة بكل المقاييس، الآن ماذا؟

هل ستذهب وتعرضها في أفضل معرض لوحات في العالم؟

لا أظن ذلك، فبدون علاقات جيدة هنا وهناك، لن يرضى صاحب المتحف بلقائك ناهيك عن عدم موافقتهم على عرض لوحتك.

وهنا نرى أن الرسم وحده لن يجعل منك أفضل رسام في العالم…

لأن الرسم وحده لن يدخل لوحتك في معرض الرسم..

لكن مهاراتك غير التقنية هي من سيقوم بذلك..

قد قام الباحث دانيل جولمان بدراسة هذه المهارات اللا تقنية، ووجد أن من أهم تلك المهارات مجموعة من السلوكيات الهامة، التي أطلق عليها اسم Emotional Intelligence الذكاء الوجداني (وترجمها البعض بالذكاء العاطفي).

حيث وجد في بحثه المنشور في مجلة هارفارد للأعمال عام ٢٠٠٤ أن نجاح المدراء ورجال الأعمال في عملهم يعزى في ١٠٪ فقط إلى قوتهم في الجانب التقني (في جانب إدارة الأعمال)، وأما الـ ٩٠٪ الباقية فهي بسبب قوتهم في الذكاء الوجداني
وقد قسم الذكاء الوجداني لأربعة أقسام، وهي: الوعي الذاتي (معرفتك بشخصيتك، عواطفك، ونقاط قوتها ونقاط ضعفها)، والسيطرة الذاتية (قدرتك على الإدارة والتحكم بنقاط قوتك ونقاط ضعفك)، والوعي بالمحيط (معرفتك بمشاعر الناس وما يريدونه وكيف يفكرون) وأخيرا المهارات الاجتماعية (كيفية التعامل مع الآخرين وبناء العلاقات معهم).

وبذلك يكون سلوكك غير المرتبط بالمهارة التقنية أكثر تأثيراً على نجاحك من قوتك التقنية نفسها!!

في الحقيقة، امتلاكك للمهارات التقنية لا يعني بالضرورة امتلاكك للمهارات غير التقنية التي ستساعدك في النجاح. هذا دفع الكاتب نسيم طالب في كتابه “البجعة السوداء” إلى القول بأن الذكاء (وهو ما أشرنا إليه بالمهارة التقنية) والحظ (وهو ما أشرنا إليه بالمهارة غير التقنية والتي تشمل الذكاء الوجداني) موزعان على الناس بشكل عشوائي.

وهذا ما يجعل الحياة عادلة. فلو كان النجاح يعتمد على الذكاء فقط، لكان النجاح في هذا العالم حكراً على الأذكياء دون غيرهم
وبسبب التوزع العشوائي للذكاء والحظ، سيكون هناك فرص شبه متساوية للأذكياء والاغبياء في النجاح.

فالغبي ستكون أمامه الفرصة مع قدرة قليلة على استغلالها.

والذكي سيكون قادراً على استغلال الفرص لكنها لم تتح له بعد.

وبذلك يبقى للجميع الفرص في العمل بجد للوصول للنجاح.

مع اعتراضي طبعاً على أن توزيع الحظ يكون بالصدفة، بل يتم بحكمة بالغة من خالق الكون.

وهنا نرى أنه ولكي تنجح عليك امتلاك العنصرين سوياً المهارات التقنية (الذكاء)
المهارات غير التقنية أو الحظ (وتشمل الذكاء الوجداني والفرص)

وهكذا، فإن قوتك في الرسم ليست كافية أبداً لتجعل العالم يعرف عن موهبتك
ولكي تتمكن من النجاح، عليك أيضاً أن تطور ذكاءك الوجداني وأن تبحث عن الفرص المناسبة.

فبدونها ستكون الرسام الأفضل في العالم .. والذي لا يعرفه أحد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top