لم يتخيل اليمني أن يصبح لاجئاً بعد أن فتح أبوابه للاجئين منذ العام 1990 للاجئي القرن الأفريقي ووصل عدد اللاجئين فيه إلى قرابة المليون لاجئ إن لم يكن أكثر.
من أسوأ مايحدث اليوم هو أن أي يمني ينتقد الحوثي يصبح عرضة للإخفاء القسري وبلغ الأمر حد وضع عدد من المخفيين قسرياً في مخازن للسلاح وقصفت تلك المخازن بطائرات التحالف العربي الذي تقوده السعودية فقُتل اثنان من الصحفيين وقيادي سياسي من محافظة إب وصف بأنه الرجل الأكثر سلمية في المحافظة.
لم أكن أتصور كصحفي أن أخرج في رحلة علاج إلى مصر وتنسد آفاق العودة في وجهي، واضطررت للبحث عن بلد يستضيفني ريثما تمر هذه المعضلة علي وعلى أسرتي وبلدي، بتعاون من أصدقاء في السعودية تمكنت من مقابلة أسرتي بعد 6 أشهر من الابتعاد عنهم، حيث باتت العودة إلى اليمن أسوأ الخيارات إذا وجدت طريق العودة في الأساس، فقد وضعت في قائمة المتهمين بما يوصف بـ (المساس بسيادة الجمهورية)، وتم تحويل قضيتي لمحكمة المتهمين بالإرهاب، وهي تهمة فضفاضة تتخذها الأنظمة القمعية ذريعة لاستهداف من يعارضها، ذلك حين تكون هناك دولة فما بالك بمليشيا تعتاش على الدمار والخراب اليوم.
حين أتحدث عن قضيتي لايعني ذلك أني أتحدث عن قضية ذاتية تتعلق بشخصي، بقدر ماهي صورة واحدة من مئات من صور القمع، أكتب في هذه الأثناء وزميلي الصحفي جلال الشرعبي قد أمضى أكثر من ثلاثة شهور في سجون الحوثيين بلا تهمة ولا يعرف أحد مصيره، بينما يقبع تسعة إعلاميين آخرين في سجون أخرى.. ناهيك عن مئات السياسيين والناشطين بلا تهم.
يعيش مئات اليمنيين في مخيمات لجوء في جيبوتي، هي الأسوأ من حيث المناخ والوضع الإنساني، وقد زارت الفنانة المعروفة بلقيس فتحي المخيم قبل أيام وعادت بصور مؤلمة عن واقع المخيم وواقع اللجوء لمواطن من اليمن.
تحاول السعودية مساندة اللاجئين بتعاون مع حكومة جيبوتي، لكن الأمر يبقى مؤلماً وموجعاً لكل أولئك الأطفال والنساء، فاليمني لم يعتد على مثل هذه الحالة إلا منذ بدأ مشروع الحوثي.
يقوم شعار الحوثيين على كلمات: (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام) وهو شعار فضفاض قتلت الجماعة بسببه آلاف اليمنيين ودمرت الدولة وتسببت بتدخل دولي عسكري بعد أن نفذت مناورات على الحدود مع السعودية وقصفت قصر رئيس الجمهورية في عدن واستولت على الترسانة العسكرية والطيران والصواريخ وأعلنت عداءها المباشر للسعودية وهو ما أدى للتدخل بالطيران وتدمير السلاح في المعسكرات والجبال وتسبب بسقوط قتلى وجرحى بالمئات.
كان اليمنيون قد وصلوا إلى مرحلة منتصف الطريق بعد إقرار مسودة الدستور الذي بني وفقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الذي استمر عاماً كاملاً وشارك فيه الحوثيون، وقبل تسليم مسودة الدستور لرئيس الجمهورية تم اختطاف مدير مكتب الرئيس وأمين عام مؤتمر الحوار، وبعدها تمت السيطرة على دار رئيس الجمهورية وحوصرت الحكومة ووزراؤها وأسقطت الدولة بواسطة سلاح المليشيا والقوات التابعة للرئيس السابق.
اليوم يعيش اليمني أسوأ وضع، تم تدمير الدولة، ومازال هناك دعم دولي لهذه الجماعة، ويعتقد كثير من السياسيين اليمنيين أن في مقدمة الداعمين بعد إيران تأتي الولايات المتحدة الأمريكية التي تأخذ ماتريد وتنسى بقية التفاصيل، فالحوثيون أعلنوا أنهم يحاربون القاعدة وهذا الأمر جعل الولايات المتحدة تتعامل معهم كجهة شرعية.
يقصف الحوثيون وقوات الرئيس السابق الأحياء السكنية في محافظات تعز وعدن، بصواريخ الكاتيوشا والدبابات والمدافع بلا أي هدف سوى السيطرة، وتشكلت مقاومة شعبية في تلك المدن بدأت النتائج تظهر جليا بانتصار في عدن، وتقدم في تعز، وتماسك في مأرب وطرد من الضالع.
قتلت قذائف الحوثيين مئات المواطنين من مدنيين بينهم مئات الأطفال والنساء، ودمرت مئات المحلات التجارية والمنازل بلا أي سبب.. فقط استجابة لنداء السيطرة الذي بات من المستحيل القبول به لأنه يخص جماعة مسلحة صنفت في كثير من الدول على أنها منظمة إرهابية.
مذ سيطرت الجماعة المسلحة على العاصمة صنعاء يحظر على اليمني الدخول إلى أي دولة من دول العالم، وتأشيرات الدخول باتت محددة بشروط قاسية… وباتت عودة اليمنيين من خارج اليمن أيضا أصعب من الخروج، حيث لا توجد سوى رحلة واحدة من مطار عمان إلى صنعاء، بأسعار خيالية.
اليمني اليوم ضحية للعبة دولية ظاهرها إيران وباطنها مشاريع لا ترحم هذه الملايين من الواقفين في طوابير البنزين والغاز، حيث بلغ سعر أسطوانة الغاز 50 دولاراً وجالون البنزين ذات السعر وأكثر في حال تواجده وبإدارة مباشرة من الجماعة المسلحة.
هذه صورة مبسطة لصورة الجماعة وأعمالها، وهناك بشاعات لا يمكن سردها في تدوينة واحدة.