حاجتنا للتنهد… لماذا يجب أن نعود للتدوين؟

من أجمل السنوات في عالم الضوء هي تلك السنوات التي قضيتها في التدوين، الانسلاخ من الواقع المرير إلى عوالم بديعة، إلى صداقات جميلة، المراجعات المذهلة للكتب والأفلام، الحديث عن مشاهدات الحياة، الانطباعات اليومية، الهموم الشخصية التي تجد لها سنداً وأكفاً تربت بحب دون أن تكون هناك منفعة أو مصلحة…

قبل عشر سنوات كان التدوين في أوجه، وكنا نكتفي بمتابعة بعض المدونين، ولم يكن الوقت يسعفنا أحيانا لمتابعة المدونات في مفضلتنا، المدونات كانت ثرية وخصبة بمواضيعها، بعضهم كان يدوّن شبه يومي!

وكانت هناك علاقات رائعة وحميمة بين المدونين ذاك أنهم يتقاطعون في أمر عظيم وهو الكتابة، هم يعيشون في وطن اللغة رغم شتات الواقع.

المدونون- تحديدا في العالم العربي- رحلوا وتركوا بيوتهم خاوية “كأن لم تغن بالأمس” السواد الأعظم منهم ذهبوا الى الشبكات الاجتماعية، أصبحت أدخل بعض المدونات، فلا أجد لها أثراً، أو قد أجدها مهجورة.

كنت أظن أن حضور الشبكات الاجتماعية سوف يساهم في انتشار التدوين بشكل أكبر وإذا بالعكس.

مواقع التواصل الاجتماعي أشبه ما تكون بالوجبات السريعة، تطلب سريعاً، تحضر سريعاً، وتؤكل سريعاً، دون قيمة غذائية مرجوّه، التدوين بخلاف ذلك، مائدة شهية، ويكون لديك إحاطة بمن يشاركك المائدة، وهم في الغالب يتقاطعون معك في حب المعرفة والفن والجمال، وهم أسرة تربطك بهم علاقة صحية وثيقة، يستحيل أن يختزلك أحدهم في جملة صغيرة مكونة من عدد محدود من الحروف.

لا أريد أن أفتح المجال للمقارنات، ما أريد قوله أن هذه فرصة عظيمة قامت بها “هافينغتون بوست” ليعود التدوين في العالم العربي لسابق عهده، ما أحوجنا لكي ننصت لبعضنا البعض بحب، دون تصنيف، دون تطاول، دون تشويه، نحن فقط بحاجة إلى تنهيدة طويلة، ثم ندون، نحن بحاجة لتنهيدةٍ “دنقلية”

“اهدأ،
ليلتقط القلبُ تنهيدةً
والفم العذب تغريدةً
والقطِ الرزق”
نعم نريد أن نلتقط الرزق كلمة، كلمة، تُبذر في قلوب الخلق، ثم ننساها ولا نُنسى!

أما بعد:
” فمن عادة جبالنا ألا يمتطي الفارس صهوة حصانه أمام داره!
عليه أن يخرج حصانه أولاً من القرية..
هذا ما ينبغي أن يكون وذلك لكي يستطيع الفارس التفكير مرة أخرى فيما يترك هنا في القرية وفيما ينتظره هناك في الطريق…

ومهما كانت المهمة التي يسافر من أجلها فهو يقود حصانة من لجامه في تفكير ودون عجلة من أمره، حتى يخرج من القرية، وعند ذلك فقط يقفز على صهوة الحصان فلا يكاد يمس الركاب حتى يغيب في غيمة من الغبار وهو مكب على سرجه” هكذا قال “رسول حمزاتوف” في مقدمة كتابه العظيم “بلدي” عندما كان يتحدث عن التفكير قبل الشروع في أي كتابة.

أما أنا بخلافه تماماً، فما يكتب هنا يشوبه نوع من التهور، بعض من الخفة والتعجل، ربما أقفز وأتجاوز صهوة الحصان وأقع في الجانب الآخر مكسور الرقبة، ربما أنطلق بالحصان نحو طواحين الهواء كـ (دون كيخوته)!

ما سأكتبه هنا هو ارتباك، ونقص جُبلت عليه، لكنه نقص محببٌ، قريب من الروح.

لست مع الرمان في كون الكاتب شخصاً اصطفاه الله، لكني مع العادي الباحث عن الجمال والذي لديه قدرة على التعبير فقط.
..
بين يدي هذه الأيام السيرة الذاتية التي كتبها “والتر إيزاكسون” عن “ستيف جوبز”، طبعاً لكل إنسان عقدة في الحياة، وقد كانت عقدة “ستيف جوبز أنه كان مُتبنى، وكان لهذا انعكاس على حياته وقراراته سواء على المستوى الشخصي أو العملي، رغم ذلك هذه العقدة لم تمنعه من أن يخترع لنا أشياء عظيمة.

بالنسبة لي فعقدتي في الحياة أني لم أحظ بفرصة تعليم جيدة، درست في مدارس حكومية أغلبها مستأجر، ودرست المرحلة المتوسطة في مطبخ، درست الجامعة منتسبا وتخرجت بتقدير مقبول بعد ست سنوات!

كم تمنيت أن أقضي حياتي محشورا بين الطلاب، مواصلا دراستي الأكاديمية، أو مبتعثا في دنيا الله، كم تمنيت أن أكتسب لغة أخرى غير العربية العظيمة.

لكن كما قال الشاعر:

نروحُ ونغدو لحاجاتِنا
وحاجاتُ من عاشَ لا تنقَضي
يموتُ مع المرءِ حاجاتُهُ
وتَبْقَى له حاجَةٌ ما بقِي.

رغم هذه العقدة، فقد عوضني الله بالكتابة الأدبية، الأديب يملك لغة كونية مؤثرة، يكفي أن تكتب “دوريان لوكس” قصيدة في مخبز بأمريكا تلامس وجدان عامل منجم في تايلند!

كثير ممن وصل مراحل علمية متقدمة، لا يملك هذه اللغة الكونية، لكن قد يملكها إنسان درس المرحلة المتوسطة بمطبخ، وتخرج من الجامعة بتقدير مقبول!

لا أدّعي أني سوف أكتب لكم شيئاً يستحق الانتظار، لكن سأحاول ما استطعت أن أكتب لكم بعفوية وصدق.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top