اللي يحتاجه البشر يحرم على الحجر

(1)
أسوء فساد هو الذي نشاهده كل يوم ولا نشعر به. أسوء فساد هو ما نعتاده.
وكأننا كنا نعيش في يوتوبيا، صدمتنا قضية “فساد وزارة الزراعة”، مع أننا لو التفتنا حولنا لوجدنا كل يوم شواهد فساد معلقة على جدران معظم المباني التي امتدت إليها يد الحكومة في سنوات الانحدار الماضية. ولكننا ربما اعتدنا الفساد، فلم نتوقف أمامه بعين النقد، وربما لم نعد نلاحظه في الأساس.
(2)
قبل شهور قليلة كنت في زيارة إلى أحد أقاربي في مستشفى عام بوسط البلد، تفاجأت بأن الدور الأول من المستشفى يُجدد بالكامل بتركيب رخام.
قبل هذا الوقت بعام كنت في زيارة لمريض في المستشفى نفسها، وكانت المستشفى ترفض إجراء عملية له في العمود الفقري لعدم توفر شرائح ثمنها 6 آلاف جنيه، وطلبت منه إما شرائها على نفقته الخاصة وإما شرائها من أموال الزكاة.
أعتقد أن المستشفى لم تشتر رخام تجديدها من أموال الزكاة، وأظن أن سعر الرخام أكثر من 6 آلاف جنيه!
بعدها كنت في لقاء مع الدكتور إيهاب الخراط، رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس الشورى السابق، وأخبرني أن المستشفيات تضع ميزانيات مبالغ فيها لتطوير مبانيها، في المقابل تتدنى الخدمات الصحية المقدمة للمريض فيها. وأدهشني بقوله إن الرخام مضر بصحة المرضى، لأنه يختزن تحته البكتيريا والجراثيم.
(3)
وزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز أطاح في مايو الماضي باللجنة الهندسية التي تولت الإشراف على عمليات تطوير المركز الأوليمبي في المعادي، “لأن العديد من الأعمال غير مطابقة للمقايسات”، ما نتج عنه إهدار ما يقرب من 200 مليون جنيه، حسب المستندات التي نشرتها صحيفة “الفجر”.
لن نتكلم عن إهدار المال العام في تجديد المركز الأوليمبي، سنتكلم عن حاجة المركز في الأساس للتجديد، خاصة إذا عرفنا أن المركز تم تجديده قبل الثورة بسنوات قليلة، وخاصة إذا عرفنا أيضًا أنه لا يوجد بطل أوليمبي واحد أخرجه المركز.
(4)
100″ مليون جنيه تكلفة المرحلة الأولى لمشروع تطوير القاهرة الخديوية”، هذا ما جاء على لسان محافظ القاهرة. أعمل بوسط البلد، وكنت أرى يوميًا أعمال التطوير هذه.
الأعمال التي كلفت ميزانية الدولة 100 مليون جنيه ماهي إلا دهان لبعض أوجه العمارات، ونزع الأرصفة وتركيب أخرى، وتكسير الأسفلت وتركيب بلاط مكانه، وهكذا في ميدان عابدين الذي مازالت بقايا الهدم (الرتش) موجودة في الحديقة التي تتوسطه.
بعدها بأيام قرأت رؤية نقدية موثقة عن المشروع للكاتب ميشيل حنا بعنوان “أوقفوا مشروع تخريب وسط البلد فورا”، جاء فيها أنه “قد يبدو للناظر من بعيد أن العمارات صارت جديدة لامعة ونظيفة، لكن العين المدققة يمكنها أن ترى أن العمارات فقدت الكثير جدا من رونقها القديم، وأن الدهانات تمت بواسطة صنايعية غاية في الرداءة، لا يختلفون عن الحاج أحمد الذي دهن لي الشقة، ثم بدأ طلاء الجدران في التساقط بعد أقل من شهر. لن أتحدث هنا عن اختيار ألوان الدهان، لأن هذا أمر لن يتفق عليه الناس أبدا، لكن واضح من واجهات العمارات الجانبية أن الألوان التي تم دهان العمارات بها ليست الألوان الأصلية كما سبق وأن أعلنوا. هل قلت واجهات العمارات الجانبية؟ نعم! لقد دهنوا الواجهات والأركان فقط، وتركوا الواجهات الجانبية بلا دهان.”!
هذا، وبينما تحت كل مبنى في وسط البلد يريد المسئولون تجديده، وفوق كل رصيف في المنطقة نفسها، يوجد متسول أو طفل شارع أو ساكن رصيف، يحتاج كل جنيه ينفق أو يهدر في تحسين أوضاعه، حتى لا يضطر أن يسكن هذا الرصيف أو أي رصيف آخر.
(5)
مشكلة مصر ليست في نقص الموارد، ولكن في توجيهها في ما لا يفيد. ومشكلة التنمية في مصر أنها تسير في إتجاه معاكس لاحتياجات الشعب.
فمنذ الإعلان عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، يساورني الشك بخصوص جدوى إقامة مبان إدارية جديدة في عاصمة إدارية تصل تكلفة إنشائها لـ 40 مليار دولار، ستتحمل مصر منهم ما يعادل 24% (9.6 مليار دولار)، في الوقت الذي توجد في مصر 1221 عشوائية يحتاج تطويرها لـ 10 مليار دولار، وهو المشروع الأولى والأكثر مناسبة لاحتياجات الشعب.
الأكثر من هذا أن هذه مشروعات حصان طروادة لنهب المال العام، وتطبق في إتمامها سياسية “نفع واستنفع” و”شيلني وأشيلك”، وغيرهما من سياسات المقاولين الشهيرة، لدرجة أن 6 قضايا من 34 قضية فساد كبيرة كشفت عنهم الرقابة الإدارية في العام 2014، ونشرتهم “اليوم السابع”، كانت تدور حول الفساد في قطاع المقاولات.
(6)
جاءت حكومة جديدة وقت كتابة هذه المقالة، فهل ستراعي ترشيد الإنفاق، وتحرص على مكافحة الفساد، وعلى تناسب خطط التنمية مع الاحتياجات القصوى للمواطن بدلًا من تقديم الشكل على المعنى والتوسع في مشروعات “فتح الأدراج”؟
بشكل أكثر صراحة: غادر رئيس “حكومة المقاولين” الجهاز البيروقراطي للدولة، فهل ستغادر معه عقلية المقاولين؟

بعض مما تم الإشارة إليه في المقالة:
http://www.elfagr.org/1760946
http://cutt.us/zyKC

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top