الفساد وهشاشة مؤسسات الرقابة..

نظرا لأنَّ المناخ العام في الجزائر يتسم بضعف مؤسسات الدولة وهشاشة مختلف الهيئات التابعة لها، بالإضافة إلى عدم فاعلية أنظمة الرقابة السائدة وعدم تمكينها، من خلال إتاحة الإمكانيات الكافية وإعطائها السلطات اللازمة للقيام بمهامها على أكمل وجه، وهو ما ساهم في اتساع ظاهرة الفساد واستشرائها.
هذا المناخ ساهم بطرق مباشرة وغير مباشرة في نمو شركة الخليفة المصرفية التي أنشئت في سنة 1998 محليا، وتحولها في مدة قصيرة (ثلاث سنوات) إلى مجمع كبير يتكون من تسعة فروع متنوعة (الطيران، البناء، الاتصالات والإعلام وغيرها)، وله امتدادات ونشاطات دولية. فمن خلال منظومة القوانين التي كانت سائدة والعلاقات الشخصية مع الموظفين النافذين في سدة الحكم تم تسهيل تمرير ملف إنشاء البنك.
وتهافتت المؤسسات الرسمية والشركات العمومية التي تمتلكها الدولة لا على طلب الاقتراض بل لإيداع أموالها ومدخراتها في الوكالات المختلفة لهذا البنك، مما كان له مساهمةٌ مهمةٌ ودعمٌ مباشرٌ في تمويل إنشاء الفروع التسعة لمجمع الخليفة.
وفي المقابل “كان عبد المؤمن خليفة يتباهى إلى حد التبجح بتوسع إمبراطوريته في أوروبا، حيث كان يقيم الحفلات مع الفنانين الكبار، كالحفل الذي دعا إليه 300 فنان ومثقف وممثل بفيلا “كان” في 3 سبتمبر 2002، حيث راح يتبرع بأظرفة مالية مهمّة على الضيوف تقدر بآلاف الدولارات، ويحضّر لإعداد فيلم وثائقي إشهاري حول المجمع تحت عنوان “ظاهرة الخليفة” بمبلغ قدره 770 ألف دولار أمريكي، ويتطوع من دون سابق إخطار أو موافقة بالتكفل بمصاريف ألعاب الطيران البهلوانية فوق سماء ملعب “الرﭔﭭبي” ببلدية “باغل” أثناء مقابلة ساخنة”.
فقد تمكّن عبد المؤمن خليفة في فترة قصيرة نسبيا (أي تمتد من سنة 1998 إلى غاية 2003) من تحويل وتهريب أموال هائلة إلى خارج البلد، قدرت بمئات الملايير من الدينارات. في حين انطلقت محاكمة المتورطين في أكبر فضيحة فساد عرفتها الجزائر منذ استقلالها متأخرة، فبتاريخ 8 جانفي من عام 2007 ابتدأت المحاكمة لتنتهي يوم 22 مارس من نفس العام بإصدار أحكام قضائية في حق أكثر من 100 متهم، في حين غاب المتهم الرئيسي عبد المؤمن خليفة عن أطوار المحاكمة، لأنه هرب إلى بريطانيا. ولم يرض القضاء البريطاني بتسليمه إلى القضاء الجزائري منذ ذلك التاريخ وإلى غاية يومنا الراهن.
لا بدَّ من التأكيد على تفشي ظاهرة اللامبالاة وعدم احترام المعايير التي تنظم الحياة الاقتصادية والتقاعس الكبير من قبل السلطات العمومية في ضمان احترام هذه المعايير. وهذا الوضع المتردي دفع بالسيدة شيباني رتيبة المديرة العامة للمعهد الجزائري للتقييس (من خلال صفحات الجرائد الوطنية) للتأكيد على أن دور معهدهم يكمن في وضع وتحديد المعايير المرتبطة بمجالات مختلفة من نشاط المؤسسات، وبالتالي مطالبة وزارة التجارة والجمارك ومختلف الهيئات ذات العلاقة بالسهر على ضمان تطبيق هذه المقاييس والمعايير.
هذه الدعوة التي أطلقتها المديرة العامة لمعهد التقييس جاءت نظرا لإشكالية ضعف تطبيق المعايير وخضوع مختلف الأعوان الاقتصاديين والأطراف في السوق بدرجة عالية إلى معايير المحاباة والرشوة. نظراً لتوسع نطاق العمولات في العقود والصفقات المختلفة وتعدد الوسطاء والمضاربين في بيئة معادية للشفافية وتحمل المسؤولية وفي مناخ مركزي ومتصلب يحتكر فيه تدفق المعلومات المرتبطة بالمشاريع والميزانيات وتتضارب فيه الصلاحيات.
فتنامي انتشار مستوى الرشوة أدى إلى تقويض أغلب الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، بسبب إضعاف جودة الخدمات المقدمة وتوجيه الكثير من الموارد المالية إلى وجهات غير شرعية وغير منتجة اقتصادياً، مما يعجل من إنهاك أداء القطاعات المختلفة وإضعاف فعاليتها وكفاءتها. وهذه الممارسات ترهن تطوير مناخ الأعمال والاستثمار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top