يا له من شرق أوسط جديد! (1)

من أول ما يحضرني من أفكار و أنا أكتب هذه المقالة مشهد أرى نفسي فيه جالساً في البيت الأبيض أتلقى صباحاً (في مكان الرئيس) تقرير أحوال العالم ومستجدات ما يحدث في “النقاط الساخنة” في العالم، و مجرد فكرة النظر إلى خارطة العالم و أماكن تفجر الصراع فيها و ما ينطوي تحتها من معاني و تقاطعات للجغرافية و السياسة و الأعراق و الأديان و المصالح هائل بكل ما تحمله الكلمة، و لهذا فان تناولي للشكل الجديد للشرق الأوسط -و لا أحد يستطيع الآن إنكار حقيقة ما آلت إليه منطقتنا- يتطلب التوقف عند جميع المفاصل التي أعتقد أنها تشكل في مجموعها حقيقة هذا التغيير أو عوامل مقاومة التغيير.
قرأت على مدى السنوات الماضية تحليلات و مقالات أجنبية عديدة تتناول فيه أساسيات الاستراتيجية الأمريكية على العموم و مواصفاتها في الشرق الأوسط على الخصوص، ومن المثير للاهتمام إجماع كثير من التحليلات على ثالوث (الأمن – الإصلاح – السلام) برغم ما يتردد عن إستراتيجية “الأعمدة” التي مفادها العمل مع القوى الإقليمية الملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم و قد يكون في هذا تفسير معقول للكثير من مآلات الربيع حتى يومنا هذا بما في ذلك الاتفاق النووي مع إيران، و لكن ما هو حقاً مثير للاهتمام هو محاولة تفسير النتائج على الأرض مقابل المعاني المشار إليها في مثلث السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
فتهاوي أساسيات العلاقات مع الدول العربية ذات التأثير المباشر في سياسات الشرق الأوسط و استقراره كاقليم عقب الحادي عشر من سبتمبر و ما تلا ذلك من أحداث أدى إلى زعزعة الحكم في العراق و فتح البوابة الشرقية على مصراعيها لتدخل منها إيران و ما نتج عن ذلك من إنهيار للمنظومة الحدودية و السيادية للعراق الذي خلق بيئة لم تكن ممكنة أبداً لإنتاج ما يسمى “بالدولة الإسلامية” و نفوذ و عمليات “القاعدة” و غيرها من الميليشيات الطائفية، و تأجج الصراع السني-الشيعي و بروز الصراعات السنية-السنية و عودة الصراع مع إسرائيل إلى أسوأ مما يمكن وصفه بالمربع الأول.
بعد إستقرار نسبي دام عقوداً أضحت معظم دول الشرق الأوسط مناطق ساخنة إما بسبب المكونات الخاصة للسياسة الداخلية و الخارجية لهذا البلد أو ذاك و بالتبعية الناتجة عن استهداف بلد بعينه للنيل من استقرار و زجه في المعادلة الإقليمية المتفجرة، و نرى ذلك كله جلياً في العراق و سوريا و ليبيا و لبنان و البحرين و اليمن و بدرجات أقل حدة في السعودية و الكويت و الأردن و مصر و تونس.
و بغض النظر عن أي محاولة لسبر أعماق السياسة الأمريكية و فهم أولوياتها، فإنني أود أن أطرح مثلثاً مقابلاً من وجهة نظر عملية لا تقبل بالضرورة القسمة على معايير الدين أو الخلفية العرقية أو المصالح الإقتصادية قصيرة المدى، و تتكون أضلاعه من:
– تكامل القوى (أو الأمن): لهذا المفهوم بعدان وطني أو محلي يتعلق بدولة بذاتها و آخر إقليمي يتعلق باعتماد دول الشرق الأوسط في صيانة أمنها على صناعة كل دولة لمنظمة أمنها و الإنطلاق من ذلك لصناعة أمن الدول المجاورة و التي تجورها، و قد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك فعلاً قائم و معمول به، و لكن لو كان ذلك صحيحاً فكيف إذن نفسر خارطة المناطق الساخنة الشرق أوسطية و الإصطفافات الإقليمية حول أسباب الصراعات الدائرة و سبل حلها؟
فالمفهوم الجوهري لصناعة الأمن الوطني في رأيي المتواضع لا بد أن يقوم على إعمال مبدأ الحوكمة في طريقة عمل الأجهزة الرقابية و الأمنية وحدود وتداخل صلاحياتها، وترسيخ مفهوم للشفافية قابل للتطبيق بأنه لا حصانة من المساءلة لأي كان و أن الأمن الوطني لأي دولة يتعدى فكرة الأمن العسكري إلى مكونات حيوية أخرى تشمل الأمن الاقتصادي و الديموغرافي و المعلوماتي و الغذائي و الصحي و البيئي و أمن الطاقة و أمن الجاهزية للتعامل مع الكوارث و الطوارئ و أمن التعددية الإثنية أو القبلية أو المجتمعية.
أما البعد الإقليمي فلا بد أن ينطلق على كافة مستويات التخطيط و التطبيق من فكرة عدم قدرة أي دولة كانت على عزل نفسها عن تبعات ما يحدث في دول أخرى و أن حماية المصالح المباشرة لدولة ما قد يأتي في المرتبة الثانية بعد مصالح إقليمية عليا، و أسوق بعض الأمثلة من الحاضر القريب للتأمل منها تباطئ الاقتصاد الصيني و آثاره على الاقتصاد العالمي و أزمة الديون الأوروبية و بالأخص اليونانية، و تعامل دول الإتحاد الأوروبي مع ازمة اللاجئين و المهاجرين، و تراجع أسعار النفط، و تداعيات رفع العقوبات الاقتصادية و توافر الإحتياطات و السيولة النقدية و مؤشرات التبادل التجاري لإيران، حيث الأمن غير العسكري هو القاسم المشترك الأولي و الحقيقي لجميع هذه القضايا ة الأزمات بالرغم من سهولة تصنيفها كقضايا أمنية بحية بالمفهوم التقليدي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top