هذا التحليل قابل لرميه في سلة المهملات إن حدث أن أعاد بشار الأسد سلطته على كامل الأراضي السورية، وعدنا جميعاً إلى سابق عهدنا. ولكن المعطيات والوقائع تثبت عكس ذلك، فآخر التقارير تفيد أن أكثر من ٨٠٪ من الأراضي السورية أصبحت خارج سيطرة النظام السوري، وبعد نهاية الجيش السوري النظامي، واستنزاف الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وعدم قدرة الأخيرة على الدخول في الصراع في سوريا بشكل مباشر لعدة أسباب، بدأ يلوح في الأفق تدخل روسي مباشر عبر إرسال مجموعات مسلحة. إذاً، نظام بشار الأسد أصبح يقترب أكثر فأكثر إلى الحلقة الأخيرة من حياته، وأصبحت كل مكونات المجتمع السوري ضده، بمن فيه بعض الأصوات المعارضة داخل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس، وأيضاً الطائفة الدرزية التي استُهدِفت بشكل مباشر عبر اغتيال أحد “شيوخ الكرامة” الشيخ وحيد البلعوس المعروف بمواقفه المعارضة للنظام.
لم يشأ لبنان أن يطوي صفحة كيانه، إلا بعد عهد رئيس، أجمع اللبنانيون على وطنيته وحرصه ونظافة كفّه، ميشال سليمان. تاريخياً، لم يُنتَخب رئيس ل لبنان إلا بعد “حفلة جنونية”، عبر إغتيال أو تعيين كفرض أمر واقع. مثال ذلك إنتخاب الرئيس فؤاد شهاب بعد “أزمة ٥٨”، ونذكر اغتيال بشير جميل ليُنتخب لاحقاً أخيه الرئيس أمين الجميل، ثم اغتيال الرئيس رينه معوض وانتخاب الرئيس الياس الهراوي، ولاحقاً “تعيين” الرئيس إميل لحود، الخيار الإستراتيجي لحافظ الأسد، ثم انتخاب الرئيس ميشال سليمان بعد “الحفلة الجنونية” التي شنتها ميليشيا “حزب الله” في ٧ أيار ٢٠٠٨ والذهاب لاتفاق الدوحة. هل ننتظر “حفلة جنونية” أخرى للذهاب إلى إنتخاب رئيس جديد بعد فراغ أكثر من سنة، يبدو أنه اعتاد عليه اللبنانيون والمؤسسات، وهذه مشكلة تخص المسيحيين أكثر من غيرهم!
عملياً، إنتخاب رئيس لجمهورية لبنان هو توافق دولي أو إقليمي، تعكس نتائجه على الساحة اللبنانية، واليوم لا وجود لمعادلة س-س، وتبرز معادلة س-أ على الساحة الإقليمية. تبقى السعودية هي الجهة الإقليمية الداعمة لفريق لبناني مناوئ لميليشيا “حزب الله” وحلفائها، وتأخذ إيران على عاتقها الفراغ السوري لتحمي مصالحها عبر دعم “حزب الله” وحلفائه. اليوم، لا وجود لهذا التوافق، والتباين بين هاتين الدولتين ليس محصوراً في لبنان، بل هذا الملف أصبح إقليمياً ودولياً في ذيل الأولويات، بل عمّ التباين في الملفات الساخنة في المنطقة، من اليمن للعراق وسوريا، إلى أمن الخليج الذي تفيد التقارير عن وجود تحرك غير مسبوق لخلايا مسلحة مدعومة من إيران لزعزعة أمن المنطقة.
نظرياً، يضع بعض المتابعين الأمل على اللقاء التاريخي بين الرئيس الأميركي أوباما والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في واشنطن، وقد شددا على ضرورة إنتخاب رئيس للبنان. وهنا تبرز مشكلة الوقت الذي تحتاجه واشنطن لإقناع إيران على ضرورة الإسراع بانتخاب الرئيس وإظهار بعض المرونة المطلوبة لتمرير الملف اللبناني لإحداث إستقرار مرحلي، قبل تمرير الإتفاق النووي عبر الكونغرس منتصف هذا الشهر، أيلول ٢٠١٥. إيران بحاجة إلى تمرير الإتفاق، والرئيس الأميركي إستطاع أن يضمن الأصوات التي يحتاجها لتمريره. الردود الإيرانية خلال المرحلة السابقة لا تنذر بالخير، عبر وزير خارجيتها ظريف أثناء زيارته ل لبنان، وقد أوكل مهمة ملف إنتخاب الرئيس لأمين عام “حزب الله” حسن نصر الله، والتسريبات الصحفية التي نقلت كلام عنه “لا إنفراجات قريبة في المنطقة”. أضف إلى ذلك تشديد منسقة الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ على أهمية بذل جهود مشتركة تؤدي إلى حل فوري لأزمة رئاسة الجمهورية، ولكنها أبقت الملف كشأن داخلي، وهذا يعني عدم وجود حل في المدى المنظور.
مستقبلياً، تترقب أوساط اللقاء الذي سيُعقد منتصف شهر تشرين الثاني المقبل بين الرئيس الإيراني روحاني والرئيس الفرنسي هولاند في المؤتمر العام ل”يونيسكو” واللقاءات المرتقبة بين وزيري خارجية فرنسا لوران فابيوس ونظيره الايراني محمد جواد ظريف في نيويورك في الشهر الحالي على هامش الجمعية العمومية للامم المتحدة وتقول الاوساط الى ان القوى المعنية في لبنان والسعودية وفرنسا موافقة على ضرورة انتخاب رئيس لجمهورية لبنان بالتسوية بأصوات ثلثي المجلس النيابي، باستثناء إيران التي تبرر موقفها على لسان وزير الخارجية ظريف بأنها “مسألة سيادية في لبنان”!
تبرز مشكلة جديدة الآن أيضاً ضمن فريق “حزب الله” وحلفائه، تتمثل في العلاقة الغير مستقرة بين حسن نصر الله وعون من جهة وحليفهما رئيس مجلس النواب، زعيم حركة أمل نبيه بري، ويبدو أن انعكاسات الخلاف العقائدي والسياسي بين مرجعية قُم ومرجعية النجف في العراق وإيران بدأت تطفو على السطح في لبنان، وتنعكس اليوم بين زعيمي الفريقين الشيعيين “حزب الله” وحركة أمل، مما يضيف للملف الرئاسي خلاف جديد.
هناك إجماع دولي بضرورة وضع أمن واستقرار لبنان بعيداً عن التجاذبات والخلافات السياسية، وضرورة تجنيب إنعكاسات ما يحصل في سوريا والعراق إلى لبنان. ولكن لا يبدو أن هناك حل في المدى المنظور لملئ الفراغ الرئاسي، وقد أكده البطريرك بشارة بطرس الراعي، الذي حذر مراراً واعتبر لبنان في مرحلة “موت سريري”.
المنطقة بدأت تخرج عن السيطرة، وعلو كعب المنظمات الغير رسمية على حساب الجيوش النظامية، خاصة في العراق وسوريا سينعكس على كافة الملفات. فهل إذا توصلت القوى الدولية إلى تسوية في المنطقة، ستذعن القوى الغير رسمية القوية ميدانياً؟ أم أن الأخيرة هي من ستفرض واقعها الجديد، وعندها لا عودة إلى الوراء! أخشى أن يكون “ميشال سليمان” آخر الرؤساء.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع