الجانب الأول : إشكالية الثقة بين المثقف و محيطه المحلي و العربي
حيث ومن أمد غير بعيد كان المجتمع العربي، وهو ينتفض ضد كثير من المعوقات والعراقيل ، يرى في مثقفه تلك المنارة التي إليها ستهتدي السفن والمهارة التي بها ستبني حاضر الأحفاد بماضي الأمجاد،إذ أن العكس كان هو الإحباط ، بعد أن بدأت تتلاشى خيوط الترابط العضوي بينهما ، مدّا و جزرا، وتتهاوى وشائج الترابط الموضوعي بينهما ،كمّا وكيفا، وذلك رغم وجود وتواجد الكثير من المثقفين على اختلاف مشاربهم و منابعهم أثاروا الحمية لأوطانهم وأبانوا السبيل لأجيالهم ، إلا أن جلهم أيضا ، ولاعتبارات ذاتية أو مادية و أخرى مذهبية أو حزبية ،عملوا وبكل أسف على تبييض أفكارهم ، وأطروحاتهم خارج نطاق السياق التاريخي لمجتمعهم ،مما زاد في اتساع الشقة و تلاشي الثقة بينهم وبين محيطهم العام ، وهذا ما ستؤكده ثورات الربيع العربي ،حيث انكشف الغطاء ،وسقط القناع ،وهذا حديث آخر سيكون موضوع تحليل لاحق.
من هنا إذن، سيكون واجبا على المثقف العربي ذاتيا وإراديا ،أن يعيد صدقا ، قراءة مجتمعه، قراءة المتأني المستبْصر،ومحاولا بكل ما أوتي من وعي وضمير، استيعاب تلك الإملاءات والإكراهات ، والتي باتت إلى حد بعيد،تؤرق علاقته بنسيجه المجتمعي خاصة بل و بمحيطه العربي عامة ،و ذلك لأن إعادته لهذه القراءة الذاتية ، لمن شأنها أن تعيد إيجابا تلك اللحمة بينه وبين محيطه ، فينجلي الغموض و ينتهي النفور،علما انه ومن خلال الإعادة لهذه القراءة على المثقف العربي أن يدرك مبدئيا بأنه جدليّا يعتبرهو ذلك العنوان الكبير على رأس صفحات محيطه الثقافي ، وبأن روافده الفكرية و المعرفية ، تصبّ سلبا أو إيجابا في بحر هذا المحيط العربي المترامي الأطراف .
الجانب الثاني : إشكالية الخطاب الثقافي
وعلاقةً بما سبق ذكره حول وجوب إعادة المثقف لقراءة مجتمعه الخاص ومحيطه العام ، فإنه ثمة إشكاليات تطرح نفسها بقوة في إطار التفاعلات الفكرية والتراكمات المعرفية التي عرفها المجتمع العربي ، حراكاً وزخماً وناقشها تحويرا وتأويلاً، ووثقها تفكيرا وتنظيرا، حيث لا سبيل للمثقف في مواجهتها وغربلتها، إلا من خلال قيامه بمبادرة إستيباقية وذلك من خلال نهجه لأسلوب خطابي جديد و عميق ، يحدّد فيه مواقف نظرته الميدانية كتشخيص دقيق لمكامن الداء ، وتحليل موضوعي لثغرات الذات مع التركيز منهجيّا على ذكر الحلول الناجعة دون الوقوف فقط عند حدود المشاكل أو الملابسات ، وهذا الأسلوب قطعاً ، سيكون له الأثر الحميد في استنهاض مشاعر الثقة من جديد ، وذلك لن يتم إلا من خلال أسلوبين اثنين للخطاب الثقافي وهما :
أولا : أسلوب الخطاب الثقافي من منظور الجرأة العقلانية :
إن هذا الأسلوب من زاوية هذا الخطاب ، يحمل مبادرة نوعية وجرأة عالية في مناقشة المثقف العربي لجميع المفارقات وكل المقاربات سواء المتفاعلة منها سلبا أو إيجابا، وذلك نظرا ، لما يتوفر عليه من أدوات تحليلية و نظرا لما يختزله من طاقات إبداعية ، من شأنها أن تدفع بخطابه الثقافي ليرقى بكل جرأة عقلانية وانتفاضة منطقية دون أن يعتريه الملل أو يجتبيه الخوف أو تأخذه العزة بالإثم . نعم ، وقد لا يكثرت المجتمع في البداية ، إلى مضمون هذا الخطاب النوعي للمثقف، نتيجة التراكمات التي أثقلت كاهل هذا المجتمع ، بل وعطلت نسبيّا حواسه الواعية ، وبإيمان المثقف العربي بجسامة الرسالة التي بدأ يعي بحملها من جديد وبعناده المنطقي وجرأته العقلانية قادر على كيفية إيصال خطابه إلى كل الأبعاد وتوجيهه إلى كل الأعماق ، فيعيد بذلك ولو لاحقا تلك الثقة المفقودة ،بينه و بين باقي مكونات المجتمع ، وبالتالي تصبح صورة الفسيفساء المتبعثر، تجمعها نظرة الأصالة من جهة والحداثة من جهة أخرى وفق معايير الخلق و الإبداع والتجديد والابتكار، ووفق ما يناسب الأصالة من مرجعية وما يلائم الحداثة من قابليّة ، تلك هي سٌنّة الدفع والتدافع بين الناس في مجتمعاتهم على مدى جريان التاريخ إجمالا.
ثانيا : أسلوب الخطاب الثقافي من منظور الوعي التلقائي :
ذلك أن المثقف العربي وهو يهمّ بتوجيه خطابه ، يعلم علم اليقين ،أنه أمام مجهر التاريخ و آلة التدوين والتي من خصائصها أن تترك لاحقا بصمات هذا الخطاب للتحليل والتعليل،ولذلك يجب على المثقف العربي أن يراعي بوعي تلقائي وحدس ثاقب أي تهور أو رعونة في توجيهه لهذا الخطاب حيث نجد مثلا ،شريحة من المثقفين ، من يحلو لهم عنجهية ًوعنترية ً،التطاول على المسلمات وكذا التحامل على القطعيات، في الوقت الذي لا يقوون ولا يستطيعون فيه التحامل أو التطاول على قانون السير مثلا ، حين ارتكابهم لمخالفة ما ، إلى غيرها من الأمثلة الصارخة والتي تترك انطباعا سلبيا لحالة الوعي التلقائي الذي يجب على المثقف العربي أن يستوعبه حين توجيه خطابه إلى عموم المجتمع، وإلاّ ، و قطْعاً ، ستنضاف إلى أزمة الضمير عند المثقف العربي ، اتهامات قاسية من قبيل الانتقائية ، والوصولية إلى غيرها من الأوصاف والنعوت ، التي قد تتعدى داء البرص في إلصاقها بجلد المثقف عموما .
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.