ما نعرفه نحن اليوم عن تراثنا الدّيني أو الثّقافي أو العلمي أو حتّى الفلسفي ، ليس إلا النّذر القليل ، و كل تلك الأوجه ليست إلا تجليّات لصورة واحدة ، مهما اختلفت تسمياتها فهي خيالات لنفس الجوهر ، و لم يشتهر بين الناس كل ما فهرس من المخطوطات القديمة أو حتّى طبع ، و إنما شهر منها ما يناسب توجهات البعض، و الأخبث من ذلك، أن هناك من أسقط اجتهادات السّابقين و فتاواهم التي كانت تناسب زمانهم و حالهم المخصوصة ، على حالنا اليوم، فاشتهرت من دون اشتهار غايتها أو المراد منها، و أصبحت هي السّراط المستقيم الذي يقاس عليه إيمان الناس، و من ما لم يشتهر بين الناس رسالة لطيفة لابن العربي، كان عنوانها ( فيما لا يعوّل عليه ) و فيها كتب الشّيخ على الطريقة الصّوفية التي تحلّق باللغة الى فضاءات لم تعرفها ولم نعلمها قبلهم، تجلياته، و إشاراته، و اختزل و لخّص فيها فهمًا عميقًا للسّنن و القوانين الكونيّة، و فيها أنّ المكان إذا لم يؤنّث لا يعوّل عليه، و قال الشّيخ أيضًا : “أنّ الكون أنثى” ، ولمن لا يعرف الشّيخ أو سيتهمه من أهل السّلف أنّه شاطح و ما يكتب ليس إلا شطحًا ، فهو من لقّبه شيخ الإسلام ابن تيمية بالشّيخ الأكبر ، فإذا توقفنا عندما يقول شيخنا الجليل، سنفهم بالضّمن أنّ المرأة ليست عورة، و لا جسدًا، و لا كنزًا ودررًا مكنونة لا بد من أن نخفيها عن أنظار الجميع ، و أنّ خطابنا الدّيني و التّفسيري لم يكن يخاطب المرأة كما يفعل اليوم في الماضي، والأمثلة على ذاك في تاريخنا كثيرة من السّيدة عائشة إلى المرأة التي جادلت الفاروق بقضيّة المهر، و غلب رأيها رأيه، إلى ست الملك التي حفظت حكم الفاطميين، و فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية التي أسست اول جامعة في العالم جامعة القرويين حتى عروس الثورة الجزائرية و بطلتها جميلة بوحيرد، وشيخة ابن العربي نفسه التي تتلمذ علي يدها فاطمة بنت المثنى (نونه)، ومن خلفهنّ طابور طويل لنساء لعبوا دور البطولة في تاريخنا.
أمّا خطابنا الدّيني اليوم، ( و الفرق بين الخطاب الدّيني و التّفسيري و بين الدّين الحنيف ، أنّ الخطاب ما نفسّر به نحن البشر الشّرائع القرآنية فهذا ليس إلا اجتهادنا نحن ) الذي يبدأ من أنّ حوّاء خُلقت من ضلع أعوج و ينسى مناسبة الحديث الشهير و هو معاملتهمن بالمعروف، و تأويل شيوخ الحديث أنّ قصد الضلع هو القرب من القلب مثل ابن حجر و القرطبي، و أنّ الوصف القرآني ﴿هوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ و قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ، و هنا يأتي التّأكيد في الذّكر الحكيم على وحدة النّفس التي خلقت منها حواء و آدم، و أنّهما من نفس الجوهر، و من بعد ذلك يشدد خطابنا الحديث على أن الضّلع ( أعوج ) و لا أمل من إصلاحه، و كأنّ النّقص في المرأة صفة موجودة بالضّرورة و الخلق ، و ليست بعالمٍ و لا بفقيه، و لكن من حقي أن أسأل، هل يُنشئ النّاقص كاملاً؟؟ بالطّبع لا، و نحن كلّنا نتاج تربية أمّهاتنا، فكيف تستقيم القاعدة إذًا، و من ثمّ يتطرّق خطابنا إلى تفضيل الرّجال على النّساء، في الميراث مثلاً، و غفلوا أنّها بالحقيقة فُضّلت عليه، فهو يُنفق عليها وجوباً، أمّا هي فلا، و أنّه فضلٌ بالجهاد، و غفلوا أنّه فرض عين، و أنّها إذا جاهدت حقّ لها سهم في الغنائم كالرّجال لا فرق، و لكنّ الأهم من كل ذلك، هو الخطاب الدّيني في مسألة العقاب و الثواب، فمن منّا سمع عن ثواب المرأة في الجنّة؟ و كلّنا سمعنا عن الويل الذي ينتظرها في جهنّم، إذًا نساؤنا مظلومات في خطابنا الدّيني الحديث، و انعكس ذلك ظلم على المجتمع حتّى صارت مجتمعاتنا تنظر إليها على أنّها شيء، أو عورة، أو أداة للمتعة ( إلا من رحم ربي طبعًا ) و المشهد الأكثر قتمًا، إنّ بعض النساء نتيجة كل هذه الدّعاية و الخطابات الظّالمة، تشوّهت نظرتهنّ لأنفسهنّ، و صدّقوا الرّواية الظّالمة، و ساروا على نهجها، و حكمنا نحن على أجيالنا القادمة بذلك بالبوار و الإنحدار فهؤلاء هنّ من سيشكلن ملامح غدنا.
في النّهاية ، إنّ الخطاب الدّيني التّفسيري، و غيره من الخطابات التي تشكّل ملامح بلادنا في كل تجلّياتها، ذكوريّة الخاطب و المخاطب، و عقل الأنثى لنا غورٌ عميق لا نعرف عنه شيء، نتهمه بالنّقص، و نحن لا نعلم عنه شيئًا، و هذا هو الإشكال، فمن يريد أن يخاطبهنّ لابدّ أن يفهمهنّ حتّى يتكلّم لغتهنّ و يقتدر على تفسير ما شرعت السّماء لهنّ
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.