كنت أنتظر

أجلس بهدوء .. أحاول التفكير لكني أصل إلى طريق مسدود !!
تحدثني نفسي وتسألني من أنا ؟! ولم أنا هنا ؟! وما القضية ؟! وما الإتهام ؟! وكيف التحرر ؟! وما الحكم الذي ينتظرني في نهاية المطاف ؟؟
أنا هنا متهم بلا جُرم !! مُعذب بلا جريرة !! مسجون بلا حكم !! مهان بلا سبب !!
أنا هنا رقم ينتظرون موته بأسرع ما يكون لكي يتخلصوا من تلك الشوكة في حلوقهم !!
أعود للتفكير .. أين كنت ؟!! آه نعم .. ما القضية ؟ وما التهمة ؟ وما الحكم ؟
القضية : هي الحرية .. التهمة : هي الإرهاب .. الحكم : لم يحدد بعد ..
الحرية .. تلك الكلمة الرائعة .. تذكرت يومها .. حين كنت أنادي بها وأرسم الواقع بحلمي وأخط الدستور بقلمي .. أذكر حالي وقد كنت أنتظر من الضابط أن يفسح لي المجال لمداواة الجرحى ، فما كنت أحمل في يدي غير أداوتي الطبية ، وعلى كتفي غير سماعتي الطبية .. فما كان منه إلا أن أهان المداوِي والمداوَى ، وأعتقلت بتهمة “الإرهاب ” !!
أذكرني وإن تباعد البون بيني وبيني .. وأذكرني وأنا أُهان وأُضرب وأُسب بتهمة “الإرهاب” ..
أذكر تلك النظرة المتوحشة ! والأيدي الباطشة ! والأعين المتربصة ! والأرجل التي تُبدع في تسديد الركلات !!
كنت أنتظر حريةً لا سجناً !! كنت أنتظر عدلاً لا جوراً !!
كنت أنتظر براءةً لا حبساً احتياطياً !! تعاطفاً لا تكالباً على الإذلال !!
وإني كلما تذكرت لا يُباغتني سوى شعور بالحسرة ، فكيف كنت بتلك البراءة ؟ أم من المنوط بي أن أقول : كيف كانوا بتلك الوحشية ؟ لا أدري !!!
أعود للتفكير .. فكرت كيف أنال بعض الإهتمام .. وكيف لي أن أُلفت انتباه المسؤلين عن حبسي أنني بريء غير مُدان ؟ وكيف لي أن أُلفت الإنتباه لمن نسوا أنني إنسان ؟!
“الإضراب عن الطعام” .. لا بأس .. إن كان الثمن هو الحرية فلنتوكل ..
بالفعل بدأت “معركة الأمعاء الخاوية ” في يوم ٢٥ ديسمبر ٢٠١٣ ، وكنت بذلك أول من بدأ إضراباً عن الطعام في السجون المصرية .. كنت أنتظر أن أنال بعضاً من الحرية ، فنلتُ لكن المزيد من الحرية في التعذيب والإهانه والسب والقذف !!
كنت أنتظر أن أنال بعضاً من الكرامة .. فنلتُ الكتير والكثير من الإذلال !!
كنت أنتظر أن أنال بعضاً من الإهتمام .. فنلتُ الكثير والكثير من الإهمال !!
كنت أنتظر أن أنال بعضاً من الرعاية الطبية ، فما كان منهم إلا أن أحضروا ثلاجة موتى ، ليضمنوا لي الرعاية بعد الموت !!
شارفت على الموت أو بالأحرى شارف الموت على القضاء عليّ ، فأضطررت للتفكير في هدنة .. لا بأس أن أنهي هذة الجولة وليكن لها ما بعدها .. أنهيت تلك الجولة فعلا في يوم ٢٣ مارس ٢٠١٤ بعد عدة أشهر من المعاناة والإهمال !!
بعد ذلك بأيام معدودة ، وبعد أن استرددت جزءاً يسيراً من عافيتي ، فكرت في جولة أخرى ولا زال هدفي هو الحرية ..
فعلاً بدأت جولتي الثانية في ” معركة الأمعاء الخاوية ” في يوم ١٧ أبريل ٢٠١٤ ومازلت أخوضها حتى كتابتي لهذه السطور ، وهدفي لن أتنازل عنه .. هدفي هو الحرية ..
لم تقل هذه الجولة عن سابقتها .. عانيت ولازلت أعاني فيها الكثير والكثير من الإهانة والسب والإذلال والإهمال والتعذيب !! بل أصدروا تعليماتهم بحرماني من الرعاية الطبية !! أردت أن أعترض على ما أُلاقيه فلم أجد شيئاً أستطيع القيام به غير “الإضراب عن المياه” قُمت بذلك مرتين إحداهما لمدة سبعة أيام والثانية لمدة خمسة أيام تقريبا ، فما كان منهم إلا أن زادوني تنكيلا وقسوة ، كأنهم يستعجلون موتي !! وها أنا أكابد الموت …
الموت ما أعظم الفرق بين الموت وصناعة الموت فكل الناس يموتون .. لكن الذين تعلموا صناعة الموت لايموتون إلا إذا رغبوا لموتهم ثمناً غالياً .. يموتون في المواقف التي يُحي موتهم فيها أممهم ..
كنت أنتظر مساندة ومؤازرة من أطباء نقابتي “نقابة الأطباء المصرية” ، خصوصاً أن من بين أعضاء مجلسها الحالي من كان معي في المستشفى الميداني بميدان التحرير أبان الثورة المصرية نقوم بواجبنا في انقاذ الجرحي – لا أريد ذكر أسمائهم كي لا أحرجهم . ولكني للأسف فُجعت بتجاهُلهم لأمري ، وتخاذلهم عن الدفاع عني !!
كنت أنتظر دعما لقضيتي من قِبل “أطباء العالم” ، حينما سمعوا أن أحد زملائهم يُصارع الموت كل يوم لأنه فقط أدى واجبهُ كطبيب يداوي الجرح ، ولكني للأسف وجدت منهم تجاهلاً لقضيتي ، وإهمالا في مساندتي !!
كنت أنتظر صدى لقضيتي لدى منظمات حقوق الإنسان لعالمية والمحلية .. أين هم من يتشدقون بحرية الإنسان !! أين من يتحدثون ليل نهار عن حقوق الإنسان ؟! ألم تصلهم رسالتي بأني مظلوم ؟! ألم يسمعوا عن مكابدتي للموت يوما بعد يوم في سبيل حريتي ؟! ألم يسمعوا أنيني ؟!
كيف ظننتُ بأنني سأوصل للعالم بأنني مظلوم ؟! ونسيت أن صوتي لم يصل لأن العام كله يرتدي سدادات الأذن ؟! كيف تخيلت أن صورتي ستهز كيان أمة لم تحرك ساكناً لصورة من أُعدموا ظلماً ؟! ربما رجحت أنهم يعانون ضعف النظر أو ما شابه !! ولكنني الآن أيقنت أنهم بعانون العمى لا أكثر !!
كيف تيقنت أن الوطن يحنوا على شبابه ، وهو يبدع في التنكيل بهم ليل نهار ؟!
فيا وطني ويا أمتي ويا عالمي .. باتت الأرواح تزهق ليل نهار !! وباتت أبواب السجون بوابات العبور للعالم الآخر !! وبات النضال من أجل الحرية جريمة !! وبات “الإرهاب” تهمة مصطنعة معلبة تاريخ صلاحيتها لا ينتهي إلا بانتهاء حياة من اُتهم به !! فمتى التحرر ؟؟ ومتى ستثورون على هذا الظلم ؟؟
أجيبوني !!!
بات الأمر لا يحتمل .. ذكريات غير مكتلمة !! دموع دائمة !! سجن بلا تهمة !! إنسان لا يعامل معاملة الحيوان !!
وفي النهاية : أمة تكتفي بالتعبير عن تعاطفها مع فلان وفلان عبر مواقع التواصل الإجتماعي والبكاء المصطنع ،، والهمم قد تراخت حتى صارت همم لا توصف إلا بهمم من سكنوا القبور منذ أمد طويل !!
يقولون إن الإنسان لا يناضل إلا من أجل ما يحب .. وأنا أحب بل أعشق الحرية وسأظل أناضل من أجلها مابقى في جسدي حياة ..
في نهاية المطاف .. أتوجه بصوتي الذي بحَّ إلى أحرار وطني وأحرار العالم .. لا تتجاهلوا القضية وأصحابها حتى لا تبكوا بكاء الثكالى مرددين “أُكلت يوم أكل الثور الأبيض” …

بدأت بكتابة هذه السطور منذ عشرة أيام .. وأُنهيها اليوم الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠١٥

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top