لا يوجد -تقريباً- التزام أخلاقي يخلو من الثواب والعقاب، حتى لو جاء على هيئة راحة الضمير أو تأنيب الضمير. فالراحة ثواب والتأنيب عقاب. لذلك لا يُعاب على الأديان أنها تحض على الفعل الأخلاقي مقابل مكافئة أو عقوبة -وعد ووعيد– لأنه لا يخلو أي نظام أخلاقي من ذلك عند متابعة الدوافع التي تنتهي للترك أو الفعل للأخلاقيات. بالعكس ربما يُحسب للأديان أنها راعت أن هناك أصناف من البشر لا تأبه إلا بالعقاب الظاهر والثواب الواضح، مع مراعاة لدرجات أخرى من الالتزام الأخلاقي تقوم على أشكال أرقى من الثواب والعقاب مثل الضمير وأعلى منه الحب. هذه التدرجات تتجاوز في دوافعها الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب. وبعد الضمير هناك درجة أعلى نادرة تقوم على الحب، وهذه لها مراعاتها الخاصة وهذا سبب كلمة “تقريباً” في بدية الكلام.
الأنظمة المادية -واللادينية بشكل عام- تطرح أن القانون والمصلحة هما الحل. كما نرى القانون لا يخلو من ثواب وعقاب، وكذلك الناس أمام القانون بين خائف أو راجي أو راقي. هذا بالتحديد السلوك البشري التقليدي الذي راعته الأديان في حضها على الأخلاق وهذا يحسب لها كما أسلفنا.
وهناك إشارة إلى هذا الفهم القانوني للأخلاق في القول المنسوب لزين العابدين بن علي “السجاد” أو لجده علي بن أبي طالب في روايات أخرى: “إن قوما عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة، فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرا، فتلك عبادة الأحرار الأخيار.”
والعبادة في الأصل برأيّ الغاية، والمقصد النهائي لها القيام بالقسط، والقسط أو العدل هو مصدر ومنتهى جميع الغايات الأخلاقية. ويمكن في القانون المدني أن نمثل لذلك بالالتزام بإشارات المرور، فهناك من يلتزم خوفاً من المخالفة المرورية، وهناك من يلتزم طمعا في سجل مدني نظيف يخلو من مخالفات، وهناك من يفعلها لأنه يرى أنه لا ينبغي إلا أن يكون كذلك. وعند التحقيق والتأمل نجد أن الخوف والطمع -أو الرجاء- هي شيء واحد لكن تختلف طبيعة الأنفس في التجاوب مع إحداها أو القدرة على تجاهل أخرى أو اختيار ثالثة.
في التفكير المادي لو نظرنا للالتزام بالأخلاق في حال كان القانون قابلا للتلاعب أو غير محاسِب للقضية التي يتطلب الالتزام بها فإنه يُعد من الغباء بالمقياس المادي الذي يعترف بالمصلحة فوق الأخلاق والضمير أن يلتزم الشخص بهذا الأمر. لماذا تلزم نفسك بشيء أو تخسر مصلحة إن كنت ستفلت من العقاب بشكل مؤكد -أضف إلى ذلك إن كانت الحياة تؤول للعدم والقانون فلن يحاسبك في النهاية.
وكما يقول الأديب الروسي ديستوفسكي في الجريمة والعقاب على لسان أحد الأبطال: “إن لم يكن الله موجوداً فكل شيء مباح.” وهذا انسجام مع المادية–ويُحترم لانسجامه ووضوحه.
في المذاهب اللادينية الربوبية -أي التي تؤمن بخالق أو قوة خلقت الكون لكن لا تؤمن باي تعاليم أو رسالات قادمه منه أو على حساب على الأفعال–يضاف فيها بجانب مفهوم القانون شعار “الضمير هو الحل.” وهذا شعار فضفاض يشبه شعار “الإسلام هو الحل.” ويماثله في التطبيق السياسي مثل أن أقول: إن حل مشاكل العالم هو الحب!
ناهيك أن الضمير مفهوم فضفاض لدى المجمتعات اللادينية التي لا تعدو برأيّ أن تكون بالأساس -أي الربوبية- سوى نظام ترقيعي توفيقي يرفض الأديان في القطاع العام ويحافظ على الإيمان في الخصوص. فهو لا يخلو من معتقدات مستمدة أساساً من الأديان ويتعامل معها كأن وجودها بديهي بدون الاعتراف بجذورها الدينية، رغم أنها مستمدة كما هي من الأديان بشكل واضح يمكن ملاحظته بسهولة ومن ضمنها مفهوم الضمير.
المذاهب الربوبية لا تؤمن بالغالب وبشكل واضح باليوم الآخر وتتعامل باعتبار لا وجود للغيب. وبتحصيل الحاصل الإيمان بالله بدون يوم آخر لا يجعل الأمر يخلو من العبث والعدم الذي معه لا معنى للالتزام بأخلاق أو التقيد بقيم أو حتى وجود معنى للوجود من أساسه فلا فائدة إن قلت إن الخالق صدفة أو قوة غامضة ما، سمها الله مثلاً، إن لم يكن هناك منتهى لهذا الخَلق.
في المجمل مع الأديان أو مع الأنظمة القانونية ومع الثواب والعقاب يبقى الإنسان يتحايل على الأوامر الأخلاقية مهما تعددت دوافعها أو فلسفاتها ليقوم بالخطأ لأن العبرة بالإنسان وقرارة أن يلتزم أم لا. لذلك تحصل الأخطاء في جميع الأنظمة من قِبَل الإنسان، بل ربما تغيب -ظاهرياً- أكثر في الأنظمة القانونية لأن الثواب والعقاب عاجل واضح. وفي هذا السياق أجد القانون مفيدا أكثر على مستوى الجماعة لكن الأخلاق بوازع غيبي مؤجل مفيدة أكثر على المستوى الفردي. وبالتالي يتضح لنا أن الجمع بينهما أفضل للمجتمعات والأفراد بل ربما أكاد أجازف وأقول إن هذا حاضر في كل المجتمعات بنسب وأشكال مختلفة. وفي كل الحالات لا معنى حقيقي للأخلاق بدون إيمان بمصدر خارج المادة لها ومنتهى محاسب لها.
البحث في آليات الآخلاق والمفاهيم عن اليوم الآخر لا يعطينا صلاحية التحكم بالخيارات الدينية واللادينية عن الناس. هذه مناقشة ودعوة للتفكير بصوتٍ عالٍ لمعنى الالتزام الأخلاقي وما معنى أن نكون أخلاقيين وفق التنوع الاعتقادي والفكري الذي يشكل وجودنا بكامل أطيافه في المجتمع. هي دعوة لتأمل العواقب التي تحدثها قوالبنا الفكرية سواء كانت دينية أم غير ذلك.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.