قبل قرون قال المتنبي :
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى إن لم يرق على جوانبه الدمُ
وكأني بالمتنبي بين ظهورنا اليوم يخبرنا أن الشرف لا يسلم ولا يرتقي ، وأن قيم الحرية والكرامة والتغيير لا يمكن أن تنال ، حتى تسيل الدماء وتزهق الأنفس وتقدم التضحيات الجسيمة .
من هذا المنطلق سنضع الربيع العربي في الميزان ، ميزان الربح والخسارة ، بين كفة مطالب الشرف الرفيع والحرية والتغيير التي خرج شباب الربيع العربي ينشدونها ، وبين كفة الأذى والدمار والدماء التي طالت شعوبهم ، وحولت أحلامهم ومطالبهم إلى جحيم مستعر .
ولعل الأرقام والإحصائيات أبلغ من مئات المقالات والكتابات ، وأكثر وصفا لحجم ما لحق ببلدان الربيع العربي من كوارث الماضي والحاضر .
فقد ذكرت تقارير للأمم المتحدة ومنظمات دولية إحصائيا عن تكلفة ثورات الربيع العربي ، ورد فيها أن الفساد الذي كان سببا في اندلاع ثورات الربيع العربي ضد الأنظمة السابقة قد كلف تلك البلدان أكثر من ترليون ” 1000 مليار ” دولار خلال الخمسين عام الماضية ، منها الأموال المهربة والمنهوبة ، ونحن نتوقع أن يكون الرقم أعلى من هذا بكثير ، فالتقرير ركز على رموز الأنظمة من الرؤساء والحكام وثرواتهم الشخصية التي نهبوها خلال فترة حكمهم ، ولم يرد على ذكر باقي اللصوص من وزراء وقيادات ومؤسسات عسكرية ومدنية ينهبون أحيانا أكثر مما ينهبه الحاكم نفسه .
وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فإن الثروات الشخصية لبعض هؤلاء الحكام كتالي : معمر القذافي 220 مليار دولار ، بشار الأسد 122 مليار دولار ، حسني مبارك 70 مليار دولار ، علي عبدالله صالح 64 مليار دولار ، زين العابدين بن علي 34 مليار دولار ؛ وإذا ما جمعنا ثروات هؤلاء الخمسة فقط فإنها ستصل إلى مبلغ 508 مليار دولار . لذلك أجدني محقا حينما قلت آنفا أن كلفة فساد الأعوام الماضية لهذه الأنظمة تتجاوز ترليون دولار بكثير .
أما عن تكلفة وخسائر ثورات الربيع العربي المادية منذ عام 2011 وحتى عام 2014 فقد بلغت 168 مليار دولار بحسب الأمم المتحدة ، بينما يؤكد معهد التموين الدولي أن الكلفة وصلت إلى 717 مليار دولار .
و سنوجز هنا توزيع هذه الخسائر المادية والبشرية على بلدان الثورات العربية :
تونس : 338 قتيل و 2100 جريح ، مع 16 مليار دولار خسائر مادية .
مصر : 847 قتيل ، 7250 جريح في عام 2011 ، وبعد إنقلاب السيسي على أول رئيس مدني منتخب “محمد مرسي” تضاعفت هذه الخسائر فوصلت الى أكثر من 5 آلآف قتيل معظمهم في يوم فض إعتصام رابعه ، وأكثر من 41 ألف سجين سياسي ، 109 مليار دولار خسائر اقتصادية بسبب الإنقلاب والثورة المضادة وغياب الإستقرار .
اليمن : 2000 قتيل ، 22 ألف جريح في عام 2011 ، وبعد إنقلاب مليشيات الحوثي وصالح على نتائج الحوار الوطني أواخر عام 2014 وصلت الخسائر البشرية إلى أكثر من 10 آلآف قتيل ، وأكثر من 60 ألف جريح ، وأكثر من مليون ونصف نازح ، 30 ألف لاجئ ، بينما وصلت الخسائر الأقتصادية لهذا البلد المنهك إلى أكثر من 20 مليار دولار بحسب إحصائيات جهات حكومية .. وما زالت الأرقام في تصاعد حتى اللحظة .
ليبيا : 25 ألف قتيل ، وأكثر من 50 ألف جريح خلال عام 2011 ، آلاف القتلى والجرحى منذ اشتعال الحرب بين قوى الثورة والثورة المضادة خلال عامي 2012 – 2014 ، وأكثر من 130 مليار دولار خسائر مادية .
سوريا : 220 ألف قتيل بحسب إحصائيات الأمم المتحدة ، بينما تشير إحصائيات منظمات حقوق الإنسان أن الرقم قد يصل إلى 500 ألف قتيل ، ومئات الآلاف من الجرحى ، وأكثر من 8 مليون نازح و 3 مليون لاجئ ، بينما تجاوزت الخسائر المادية 202 مليار دولار .
وبعملية جمع بسيطة لهذه الأرقام ، سنتوصل إلى نتائج مروعه خسرتها شعوب الربيع العربي الشعوب على الصعيدين البشري والإقتصادي .
550 ألف من القتلى حتى اليوم .. ولا تزال آلة القتل مستمرة ، أكثر من 100 ألف جريح، وقرابة 14 مليون نازح ولاجئ . أضف إلى ذلك ملايين الأطفال الذين يتمو ، والنساء التي رملت ، والأمهات التي ثكلت .
إنها بحق كارثة القرن الحديث التي حلت بمنطقتنا العربية ، و يبقى السؤال : من هو السبب في حدوث كل هذه الخسائر ؟! هل هي الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها ؟! أم هم الطواغيت وأنظمتهم الباغية ؟!
لا أجد عاقلا يعتقد أن الشعوب هي التي تسببت في كل هذا الدمار والخسائر المهولة ، فهي لم تخرج لتقتل نفسها ، بل خرجت تنشد كرامتها وتطلب حقها بحياة كريمة ، وعدل وحرية ومستقبل مشرق وبطرق سلمية ، بينما كان رد تلك الأنظمة وأولئك الطغاة هو الرصاص والقذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة ، ولسان حالهم يقول : إما نحن أو الطوفان من بعدنا .
لكن وبميزان الربح والخسارة التي بنينا عليها تقريرنا هذا ، أن يقتل مئات الآلاف ليعيش الملايين في حرية وكرامة ، فذاك الربح في ميزان الشرف الرفيع ، وليست الخسارة سوى حياة الذل والمهانه التي هجرها عنترة بن شداد بقوله :
لا تسقني كأس الحياة بذلةٍ بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
وعزاؤنا أن من قتل مظلوما مدافعا عن حقوقه ومطالبه ، فنحسبه عند الله شهيدا مكرما منعما ، ومن عاش منتزعا لحريته وكرامته ، فقد ظفر بخير من الله في دنياه وأجر مدخرا له في أخراه .
فالتاريخ يخبرنا أن مطالب الحرية والعدل والكرامة والحياة والكريمة لا تمنح أو توهب ، وإنما تنتزع ، كما يقول أمير الشعراء :
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيــــا غلابــــا
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.