“الركلة” التي تحولت ذهباً

في غمار الظروف الاستثنائية التي تمر بك، والأوضاع المباغتة لمخططاتك الحالية والمستقبلية، وعجز محيطك عن التكييف مع طموحك وتوفير المناخ المناسب لنموه، تجد نفسك حبيس اليأس والحسرة، وعلى بُعد حافة من الاكتئاب، لتغدو -على حين غفلة- كتلةً من الإحباط الثقيل ذو الوجود المزعج على نفسك وعلى الآخرين، بعد ن كنت إنساناً طبيعياً يمارس روتينه اليومية في تقبُلٍ وملل.
لكن الإنسان خٌلق من عجل، على أهبة الاستعداد للانقلاب المتنكر لكل الإيجابيات في حياته عند تعرضه لصدمة غير متوقعة، ومفاجأة تقلب توازنه رأساً على عقب، ويتناسى أن أصغر خلية في جسده هي إعجازٍ كامل لا يقدر على خلق مثلها أمهر العلماء وعباقرة التاريخ أجمع.
هل كان يدرك “أسامة عبد المحسن” مدرب أحد الفرق المحلية السورية الكروية أن قدره على وشك الإشراق، والنهوض بمستقبله المهني إلى العالمية، وجعل اسمه من الأعلام النابغة في مجال الهجرة ومشقتها عندما ركلته صحفية مجرية على حدود بلادها أثناء محاولته العبور مع طفله زيد إلى العالم الآمن، لتصبح تلك “الرفسة” -بلحظة تهورٍ- نقطةَ تحولٍ في تاريخ عبد المحسن وأبنائه إلى أن تقوم الساعة وتعود بلاده إلى سطوعها بعد زوال جلاديها.
من مدرب فريق لم يسمع به إلا جواره، إلى مدرب منتخبٍ إسباني له من الشهرة نصيب، مع وابلٍ من الاحترام والتعاطف مع لاعبي نادي “ريال مدريد” الأشهر عالمياً، ومرافقة صغيره الأسطورة الكروية “كريستيانو رونالدو” إلى الملعب في أحد مباراياته.
إذا سمعت القصة من أحدهم، ربما سيراودك الشك بمدى مصداقيتها وثبوت صحتها، ولن تستطيع التصديق أن العثرات ممكن أن تنجب الإنجازات، والمصائب تليها أرزاق وفيرة، وكلما ضاقت الدنيا بميادينها، كان الفرج على بُعد أمتارٍ من صاحبه، وعلى هيئةٍ مراوغة من الصعب التكهن بحُسن نواياها.
حتى “أحمد محمد” الفتى الأمريكي المسلم ذو الأصول السودانية، عندما توجه باندفاع طفولته إلى مدرسته، حاملاً معه تصميم ساعته الرملية، كان يعتقد أنه سيدهش معلمته ورفاقه باختراعه المبتكر، غير يقظٍ إلى الشبهات التي أحاطت ساعته، وتحول رنينها إلى ملفٍ في دائرة الشرطة واشتباهٍ بعملية إرهابية داخل المدرسة.
“أحمد” الذي أثبت للعالم براءته ونبوغه وبُعده عن الإرهاب الملاصق لاسمه ودينه، انقلب في ليلةٍ وضحاها من طالبٍ يحمل في عقله جينات العبقرية، إلى رمزٍ عالمي تعاطف مع قضيته الرأي العام وكبار المشاهير مثل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومارك زوكربيرغ مؤسس ومالك الفيس بوك الذي دعا “أحمد” ليستثمر ذكائه ضمن أسوار مملكته الزرقاء.
التعرض للأزمات وشوائب الزمان باستمرار لا يعني نهاية العالم، واقتراب أجل البشرية، فكم كانت المصيبة حجر أساسٍ مفصلي في تاريخ أحدهم، وكم صنعت الكوارث من أناسٍ بسطاء أقماراً ضياؤهم ساطعٌ من غير حسبان، وكم كانت الثورات نوائباً على شعوبها، ودموعاً عميقة الحفر في وجوه الأمة، إلا أن إرادة الحياة فوق المحن، وتشبث الإنسان بالرمق الأخير للأمل قادرٌ على تحويل الجفاف أمطاراً غزيراً، والقحط إلى مواسم غيث.
التفكير بإيجابية ليس بالأمر السهل، والخروج من عنق الإحباط نضالٌ يحتاج جهداً من التفاؤل وتوقع الأفضل، وإذا ما وصل الإنسان إلى قناعةٍ أنه يعيش في دائرة من الأحداث المتسلسلة لابد لكلٍ حدثٍ منها أن يفضي إلى ما فيه الخير له حتى وإن اختلفت الصيغة، لعاش عمره بالحدود الدنيا للراحة، وأزال عن كاهله آفة التكهن بالمستقبل في زمن الغبار، فلا شيء يمنع أن تتحول الزلات إلى أمجاد، والأفكار البسيطة إلى منشأت، و”الركلات” العابرة إلى قصصٍ وحكايات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top