اكتشفنا في آخر ظهور لمارك زوكربيرغ، مؤسّس فيسبوك أنّ الرجل يحمل رؤية إيجابيّة للعالم، وأنّه مهذّب جدّا على عكس ما يظهر في سلوك بعض الناس على مواقع التواصل الاجتماعيّ عندما تتعطّل لغة الحوار وتنقلب إلى شتائم وتهديدات.
يعارض زوكربيرغ “عدم احترام الآخرين”، وينهى عن جرح مشاعرهم. وقد صرّح بذلك الموقف أثناء حديثه عن قرار جديد يتعلّق بإضافة زرّ “لا يعجبني/dislike”، بعد أن ازداد الطلب عليه. فعبّر عن مخاوفه من إساءة استعماله، وقدّم ما يناسبه من أمثلة تبرّر اللجوء إليه. فهو يريده “وسيلة للتعبير عن التعاطف مع صديق شارك بخبر حزين، على سبيل المثال، وليس لجرح مشاعر الآخرين”. مضيفا بلهجة وعظيّة:”هذا لا يليق بالمجتمع الذي نحاول بناءه، فعندما تشارك لحظة أو فكرة تعني لك الكثير خلال يومك، لا تريد أن يفسد عليك أحد ذلك”.
إنّ ظهور مؤسّس فيسبوك بذلك الموقف الذي يحترم مشاعر الناس، يقدّم شخصيّة تصلح أن تكون مثالا يحتذيه الطلاّب والمراهقون عموما باعتبارهم يتأثّرون بالمشاهير، ويحتاجون إلى أكثر من قدوة في مجال مكارم الأخلاق. وفي هذا الباب يستطيع رجال التربية والتعليم أن يستشهدوا بدعوة الرجل إلى تجنّب مضايقة الآخرين في قناعاتهم بأسلوب عنيف وفجّ… ويمكن تنبيههم في نفس ذلك السياق التربويّ، إلى خطورة الإدمان على الانترنت، وضرورة العودة إلى الهوايات المفيدة كالمطالعة التي يقبل عليها زوكربيرغ بانتظام، فهو يقرأ كتابا كلّ أسبوعين. وكانت “مقدّمة ابن خلدون” من آخر ما قرأ، كما صرّح، مشيدا بذلك الأثر الذي وضّح له الرؤية السائدة للعالم قبل 700 عام.
لكنَّ ذلك المسلك لا ينطبق على “الأشرار” الذين يستحقّون إزعاجهم بالزرّ الجديد. وتقوم مجلّة “تايم” الأمريكيّة باستفتاء سنويّ عن المشاهير الأكثر تأثيرا ونفوذا في العالم. وقد أشارت إلى “لائحة الأشرار” في النتائج الخاصّة بسنة 2012، حين احتدّت ثورات الربيع العربيّ .. وكان على رأسهم بشار الأسد والشيوعيّ “كيم يونغ”. والطيور على أشكالها تقع. فقد استفاد “طاغية سوريا” من الأنظمة الشيوعيّة، وتمتّع بدعم روسيّ صينيّ لمواصلة قمعه شعبه قتلا وتشريدا. وبعد أن كثرت الانتهاكات الموثّقة بالصورة والصوت وأصبحت مادّة إخباريّة قارّة بمواقع التواصل الاجتماعيّ، تحدّثت جملة من التقارير عن دور الأزمة السوريّة في التعجيل بقرار زوكربيرغ إضافة زرّ للتعبير عن “عدم الإعجاب”، إذ بيّنت الفيديوهات والصور المتعلّقة بمعاناة السوريّين في أرضهم أو خارجها، أنّ زر “أعجبني” لا يمكنه التعبير عن شعور المستخدمين وعن سخطهم تحديدا.
ونفس الأمر، ينطبق على الوضع المصريّ، حيث ذكر مؤسّس فيسبوك في معرض إجابته عن أسئلة الروّاد أنّ الطلب على زرّ “لا يعجبني”، تزايد في الفترة الأخيرة من قبل المستخدمين في مصر. فسِجِلّ عبد الفتاح السيسي غنيّ بالانتهاكات والتجاوزات التي ساهمت في استقراره بأعلى هرم السلطة بعد انقلاب دمويّ أدّى إلى إبادة آلاف المعارضين بطريقة وحشيّة لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر..
وعلى العموم، يمكن القول إنّ “فيسبوك” يكره عبد الفتاح السيسي ولا يعجبه صنيع بشّار الأسد. ولذلك سيضيف زرّه العجيب للتعبير عن المعارضة والأسف والسخط. ولكنّه لن يساعد على التخلّص منهما قريبا، فأزرار فيسبوك كالعقاقير المسكّنة للألم، تخفّف بعض أوجاعنا، ولا تستطيع القضاء على أسبابها.. وفي ذلك تكمن المفارقة بخصوص تلك المنصّة التواصليّة المهمّة التي تساعد فقط على التنفيس وتفريغ شحنات الغضب حين نتفاعل مع الروابط المتعلقة بالاستبداد وجرائمه، أو بالفساد المستشري وفضائحه، لننقر ببساطة على وصلة الإعجاب، أو عدمه أو نكتب تعليقا غاضبا، أو نشارك المنشور للمساهمة في إيصاله إلى جمهور أكبر.. وبعد أيام يخبو حماسنا، عندما نشاهد المنشور المستفزّ مرّة ثانية ، فنتجاوزه بسرعة لأنه قديم لا جديد فيه. ونتركه يمرّ في شريط الأخبار خاليا من كلّ تفاعل. فمنشورات فيسبوك مثل الصرعات التي تتغيّر بسرعة، والناس يقبلون على المستحدث منها، ويرغبون عن القديم الذي استهلك ولم يعد قادرا على اجتذاب المعجبين.
فهل يعمل فيسبوك على تكريس المصالحة مع المفسدين والمستبدّين بحكم التعوّد على “مشاركة” ما ينشر عن جرائمهم؟
ليس ذلك مستبعدا. واللافت أنّ ما يتسلّل إلى حساباتنا من الإعلانات ومنشورات الإثارة، يساهم في التشويش على المحتوى بتمرير أفكار ومعطيات مضلّلة. وعندها، ستعجز شريحة كبيرة من جمهور فيسبوك عن التمييز بين الحقّ والباطل بسبب افتقارها للحس النقديّ والنضج المعرفيّ بقدرٍ ينبّهها إلى سذاجة بعض ما ينشر، وخطورة البعض الآخر، في فضاء افتراضيّ يستعمله الجميع لتوجيه الجماهير والتأثير عليها.
وفي الختام، يمكن القول إنّ المعركة التي تدار بأزرار وتطبيقات قد تساعدك على قتل الوقت ومقاومة الملل في غرفتك الضيّقة أمام حاسوبك الذي يتجسّس عليك، ولكنّها لن تطيح بالأشرار الذين تحرّكهم أزرار أخرى في أجهزة “التحكّم عن بعد”، موجودة في عواصم الدول العظمى حيث يلعب الكبار بمصير الشعوب المغلوبة على أمرها.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع