اغتسل من ذاكرتك، وتطهر من ماضيك ، وتوضأ من غابرك..
ذاكرتك المثقلة بالأفكار، المليئة بالصور والمشاهد، المزدحمة بالأشخاص والأماكن، تؤرقك وتجلب لك زخما من التاريخ الذي ينسيك حاضرك ويغيبك عما أنت فيه.
ذاكرتك المستعصية في حاضرك لا تترك لك شيئا جميلا تتمتع به.
عليك أن تتخلى عنها وأن تغتسل منها غسلا يسقط عنك جنابة الماضي، ويوجب لك الطهارة في الحاضر.
إن كانت ذاكرتك مليئة بالجمال والحَسَن الماضي فإنها تحرمك لذة الحاضر وتغيبك عن حسن ما أنت فيه، فلا استطعت أن يرجع لك الماضي لتعيش فيه ولا قدرت أن تتمتع بما أنت فيه وعليه الآن.. فذهب بذلك الآن والأمس..! وربما يذهب الغد أيضا..
وإن كانت ذاكرتك سوداوية ، فإنها تعكر عليك صفوك، وتقلق مزاجك، ولا تستطيع أن تتعايش مع من حولك..
تأثير الذاكرة على الإنسان كبير جدا، وليس من السهل أن ينسلخ عما كان عليه، أو يتجرد عن كل ما دار معه وجرى له، إنها نقوش طبعت في ذهنه صورا كما يطبع الدهر على وجهك تجاعيده وشحوبه.
يقول إرنست همنغواي “السعادة، صحة جيدة وذاكرة ضعيفة”.!
إن الإنسان القوي، المتحكم بذاته، القائم عليها بخواطرها وسرحانها، قادر على الإمساك بذاكرته، ويستطيع أن يحبسها عن أذيته.
ذاكرة الحب والجمال تساعد على ابتسام شفتيك وتوجع قلبك، تزيد الحسرة عندك وتمحو كل حلو أنت فيه الآن، هذه كذلك، فكيف بذاكرة الأحزان والأسواء؟! ، لا شك أنها كفيلة بقتلك، وتقطيع داخلك إربا..!
ذاكرة الذنب والخطأ لا تفارقك إلا أن توقعك في شر ما تتمناه، إنها توصل إلى القنوط الذي هو محض الكفر واليأس.
أنت أم هي المنتصر ؟
ستدخل في حرب لا هوادة فيها، ولا وقوف بها، بل أشد ما تكون وأعظم مما توصَف، وكم أرْدَت الذاكرةُ بأصحابها.
وإن لك سبيل للتغلب عليها ، وللانتصار على فتكها، وتقدِر على ذلك من خلال تطمين نفسك بالحاضر الذي تعيشه؛ لتستقر به نفسك ويطمئن له قلبك.
الذاكرة ماض غابر، وقديم مندثر، وغائب لا يُنتظر، فلا فائدة من تخيله ومن العيش فيه..
الماضي انقضى زمانه، وغابت أشخاصه، وفنيت معالمه، ولا سلطان له عليك..
لذلك عشْ حاضرك واصنع منه ما تريد، ولا يربطك ماضيك وتأسرك ذاكرتك وتقيدك.
اجعل من حاضرك ذاكرةً لمستقبل جميل.. يكون عوضا عن ذاكرتك المثقلة التي وَهَن عظمك منها واشتعل شيب فؤادك بسببها..
اصنع ذاكرة جديدة تكون أساس مستقبل مجيد تطمح له وتبنيه الآن..
ولا تعشْ وهْم الماضي وعوالق التاريخ.
من الذاكرة تقاتل المسلمون، وبنوا صرحا من الخلاف والدماء.
إننا نستدعي الذاكرة في كل موقف سياسي وديني..!
ونقحم الذاكرة الدينية والسياسية في جميع الحروب والقتال والخلافات الدينية والعرقية والوطنية، ويتم تحكيمها على أفعال الحال والآتي..
أصبحت الذاكرة محور موتنا وشتاتنا وسوء بلائنا، لا مجد لنا إلا في الذاكرة، ولا خير بنا إلا في الذاكرة، ولا قتال لنا إلا من الذاكرة، وماتت الذاكرة من آلاف السنين واندثر رجالها، وراحت أقوالهم ومواقفهم، ولكننا غصبا أحييناها واستدعيناها من القرون الماضية لتحضر في قرننا وتحل مشاكلنا وتبين خلافنا وتحكم في مستقبلنا.
وهكذا لا تزيدنا الذاكرة إلا بلاء منذ أقدم العصور..
إن قبيلة كذا بنت كذا لا زالت تنقم على قبيلة فلان بن فلان لثأر منذ مئتي عام..!
وإنه في كل مناسبة يجلب الذاكرة معه ويحكم بها على كل مشكلة ويستدعيها في كل قضية..
لمن تركنا المستقبل إذن، ما الذي فعلنا في حاضرنا ؟ “من أجل بناء مستقبل جديد يجب علينا أن نبني ماضٍ جديد”.
الحرب على أشدها، والاقتتال وسفك الدماء كل سببه ذاكرة متخمة بالخصام والانتقام..!
يُقتل رجلٌ في أقاصي جبال أفغانستان انتقاما للحسين؟ ويُنحَر آخرُ نصرة للأمويين؟ ولا يعرف القاتلُ مَن حسين ولا المقتول مَن الأمويون..! الوحيد الذي يعرف هي الذاكرة التي لا علاقة لهما بها..
ومن طرائف استدعاء الذاكرة التاريخية في الخلافات المذهبية، أن السلاجقة عندما أرادوا اقتحام حلب وكانت حينها شيعية، قام قائدهم محمود المرداسي بجمع الناس وطلب منهم تغيير ولائهم وانتمائهم لأنه لا طاقة له بصدهم، فرفض هذا الكلام بعض عوامّ الشيعة وجاؤوا لمسجد حلب فسحبوا الحصائر منه وقالوا هذه لعلي وليست لأبي بكر.!
إنها ليست ذاكرتنا هي البلاء فقط، بل تعدّى الأمرُ فأصبحت ذاكرةُ غيرنا بلاءً علينا ولنا، ونجني منها أسوأ ما نرجوه وأبشع ما نتمناه..!
اتركوا هذه الذاكرة التي دمرت حاضرنا ومستقبلنا، ولا تعيشوا في زمن لستم رجاله وليس آباؤهم منه، ولا نسبكم فيه..
دعوا التاريخ في بطون الكتب، واتركوا الحكايات على أرفف المكتبات، إنها سعيدة هناك، تساعد في تجميل المنظر وسد الفراغ، فلا تجعلوا منها سما لحاضرنا..!
اُخلقوا لنا ذاكرة يجتمع عليها المتفرقون في المستقبل، وينتصر بها المختصمون في الآتي..
ولا تعودوا أدراجكم إلى شيء لا علاقة لكم فيه ولا ربح ولا أجر..!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.