قرأت مرة لأحدهم يقول:
هل كان من الممكن أن يكون آية الله ابن عثيمين قائد الثورة الاسلامية في إيران … و شيخ الاسلام الخميني إمام المسجد الحرام؟؟
تخيل معي، لو ولد الخميني في جدة و درس على يد علماء السعودبة و على المدرسة الحنبلية و على منهج محمد بن عبد الوهاب، فهل سيكون هو نفسه الخميني الذي نعرفه؟ أم سيكون هو شيخ الاسلام لأهل السنة داعيا إلى التوحيد، و سيكون هو البطل منقذ أهل السنة من الضلال والبدع؟؟
تخيل لو ولد ابن عثيمين في النجف الأشرف و تتلمذ في الحوزة العلمية و أكمل دراسته العليا في قم المقدسة، فهل سيكون هو نفسه بن ابن عثيمين الذي نعرفه؟؟ أم سيكون هو أية الله ابن عثيمين ولعله يكون مرجع من مراجع الشيعة الامامية، ولعله يرشح لخلافة الخامنئي؟؟؟
كذلك تخيل أن البابا الحالي بينيديكتوس الستاشر، ولد في مكة و تربى بها ، هل سيكون هو بابا المسيحيين اليوم؟؟ أم سيكون شيخ و إمام المسجد الحرام أو المسجد النبوي الشريف؟
و أنت كذلك إسأل نفسك، و كن صادقا مع نفسك، تخيل أنك ولدت في مجتمع يحمل عقيدة غير التي تحملها، بل عقيدة تعاديها أنت اليوم، فهل سيكون موقفك هو نفس موقفك الآن؟؟
بعبارة أخرى، لو ولدت في عائلة مسيحية و أنت مسيحي الآن مثلا، و تنتقد المسلمين و تنتصر لدينك، فهل لو ولدت و تربيت في ظروف أخرى هل ستكون أراؤك نفسها اليوم ؟؟؟
إذا كان الأمر غير كذلك، فيصدق علينا قول الله سبحانه و تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة:104].
فيصبح التقليد الأعمى للموروثات عن الآباء و الأجداد و المحيط الذي تربى فيه الانسان هو الحكم، و ليس العقل:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:170]،
ويقول سبحانه كذلك: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ﴾ [الصافات:68-71]
لكن يستدل البعض بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه”
الجواب: هذا كلام صحيح. لكنه ينطبق على ما قبل سن الرشد أي التكليف. فقد جعل الله للبشر مرحلة يمرون بها تدعى المراهقة، حيث تعتبر الفاصل بين ما ورثه الانسان و بين اختياره و ارادته، فتطرح على الانسان فيها أسئلة كثيرة: من خلقني؟ كيف خلقني؟ أين الله ؟ ما هو الهدف من الحياة؟ …
و هذه هي المرحلة الفاصلة حيث يبدأ الانسان بالاختيار الارادي للمعتقدات و بذلك يصل للنضج العقلي حيث يبدأ التكليف.
و إلا فما فائدة الحساب و العقاب و الجنة و النار إذا كان ديننا و معتقداتنا ليست من اختيارنا بل حسب ظروف النشأة، وما كان الله ليظلم أحدا،فهناك شبه اجماع بين علماء الدين أنه لا تقليد في العقائد، و إنما التقليد ممكن أن يكون في غير ذلك كالأمور الفقهية.
لذلك يجب أن تتأكد إن كنت مقلّدا أعمى للغير أم أنك فاهم فكريا وعقليا لما تدّعي أنّك تعتقده؟
هذا الأمر لابخص العقائد فقط بل حتى الايديولوجيات، فبعد أن نتبع ايديولوجيا معينة، فإنها تجرنا على القراءة لكتب أشخاص محددين، و حضور فعاليات محددة، و تجاهل ما عند الآخر، و بالتالي نحكم على الأخرين من الزاوية التي نحن فيها، و هذا منافي للصدق في الوصول للحقيقة.
ليس المشكلة في تبني منظومة أفكار، لكن المشكلة في تجاهل و حجب ما عند الأخر.
كثير ممن أناقشهم ممن جمدوا على اختيار آبائهم يقولون لي: نحن بحثنا عن الحقيقة و توصلنا إليها، و هم فعلا قد قرأوا من الكتب الكثير و أنصتوا لدروس عديدة لكن حالهم أشبه بحال من سيحتاز امتحان الرياضيات ، فأخذ يدرس و يسهر الليالي و يقرأ الكتب و يذاكر، و في النهاية دخل الامتحان و وضع الحل حسبما فهم، وبذلك يكون فعلا قد بذل الجهد الكافي.
لكن تخيل أن الامتحان هو امتحان الرياضيات، بينما هو ذاكر في كتب التاريخ.
يذكر علماء الاجتماع أن «التقليد الأعمى» يبعد الناس عن حقيقة انسانيتهم، فقد توصلوا بعد مجموعة أبحاث إلى قاعدة تقول: “إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة”،
فمثلاً الحيوانات، لا سيما تلك التي تشبه الإنسان كـالشامبانزي هي في المرتبة الأولى من ناحية التقليد والجمود، ويأتي بعدها القبائل المتوحشة، ثم يأتي في الدرجة الثالثة الأطفال والنساء والرجال عصبيو المزاج وضعيفو النفس(1). إلى أن يصل الأمر إلى الإنسان الراقي الذي يسيطر عقلُه على عواطفه وتكون روح التقليد الأعمى والجمود الفكري لديه ضعيفةً جداً ويحكمه بدلاً من ذلك ناموس الاقتباس (أي التقليد العاقل والواعي) الذي يُعتبر من أول علامات اكتمال العقل ومن أهم وسائل الرقي والتطور.
و لعل هذا التقليد و اتباع الآباء من أسباب ما نحن فيه من اقتتال طائفي، و القتل على الهوية، كما حصل في العراق و يحدث في سوريا، حيث أصبح السني هو سني المولد و الشيعي هو شيعي المولد، و الكل يدافع عن معتقده الذي ورثه عن آبائه و يضحي بروحه من أجله.
و أختم بطرفة حدثت لي مع أحد الأشخاص حيث كان متحاملا على المذهب المخالف، فقلت له إذا كنت تعتبر أن فلانا شيعي -وهو ديكتاتور عربي- و تنتقده، فإنك يجب أن تعتبر أن فلانا سني -دكتاتور عربي أخر- و يجب أن تنتقده، و بذلك يصبح عمرو دياب سني، و عاصي الحلاني شيعي، و نانسي شيعية و هيفا سنية، فقاطعني غاضبا: كلاااااا، و إنما هيفا شيعية. و كأنني قلت ما يغضب الرب سبحانه.
هذه مشكلة من بين مشاكل كثيرة يعاني منها العقل المسلم .لذلك في الأخير أرى أن إنشاء مؤسسات فكرية لانتاج الأفلام القصيرة، تعالج فيها بشكل ساخر هذه المواضيع هي جزء من الحل اليوم، فشبابنا اليوم هم شباب الشبكات الاجتماعية و ليسوا شباب الكتب الضخمة أو المقالات الطويلة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.