حدوتة YouTube وتنمية الابداع

ان نظم التعليم المتقدمة تيقنت ان السبيل للتطور هو غرس قيمة الابداع وتنمية المواهب وتحفيز الفكر النقدى المتأمل لكل ما حوله والمتسائل عن جوهر الاشياء وحقيقتها وحيثيتها ، تحولت هذه الاهداف الى استراتيجيات تطبيقية عملية واقعية وتم بلورتها فى خطط فعلية وانعكست على محتويات المقررات وطرق التدريس ومناهجه وهو ما يجعلنا نسمع عن عشرات الشباب فى العشرينات من اعمارهم تتعدى ثرواتهم مليارت الدولارات نتيجة اكتشافات او ابتكارات قدموها للانسانية..
ولنا فى قصة نشأة موقع يوتيوب مثالا ، تأسس الموقع على يد ثلاثة شباب هم (تشاد هرلي، وستيف تشن، وجاود كريم)، درس هرلي التصميم في جامعة إنديانا بينما درس تشن وكريم علوم الحاسوب في جامعة إيلينوي وقرروا فيما بينهم ان يقوموا بتطبيق ما تعلموه على نحو جديد ، وفى احدى ليالى 2005 حاول ستيفن و تشاد ان يقوما برفع فيديو لحفله اقيمت فى منزل شين و عجزا عن ذلك فلم يجدا على شبكة الانترنت اى وسيلة يمكن من خلالها لمستخدم الانترنت ان يشارك اصدقائه ملفات الفيديو انما توفرت فى حينها فقط مواقع يمكنهم من خلالها مشاركة الصور الثابتة ومن هنا جاءت الفكرة ..
لماذا لا نقوم بابتكار موقع على الانترنت يمكن من خلاله تحميل ومشاركة مقاطع الفيديو الرقمى القصيرة ؟ وسرعان ما بدأ الشابان العمل فى جراج منزل شين وعاونهم صديقهم الثالث جاود كريم الذى دعمهم ببعض الاموال من بطاقته الائتمانية و ظهر موقع يوتيوب لأول مرة فى فبراير 2005 وبدأو العمل رسميا اعتبار من يوم الفلانتين وفى 23 ابريل من نفس العام رفع جاود كريم اول فيديو قصير على الموقع بعنوان” انا فى حديقة الحيوان ” (Me at the zoo ) لفيديو التقط له اثناء رحلة ترفيهية لحديقة الحيوان مدته 18 ثانية (وصل اليوم عدد مشاهدى الفيديو من 2005 الى 2015 الى اكثر من 26 مليون مشاهدة)

التساؤل الرئيسى لديهم كان لماذا لا يمكننا مشاركة الفيديو الشخصى بين اصدقائنا ولماذا تظل مواقع الانترنت تعتمد على انتاج المادة الاعلامية للمستخدمين عبر قنوات Tubes لماذا لا يكون المستخدم هو القناة youtube وبنهاية العام تحول شعار الموقع من ” ارفع و اضف وشارك العالم مقاطع الفيديو التى لديك ” (Upload، tag and share your videos worldwide) الى ” اذع عن نفسك : شاهد وشارك العالم مقاطع الفيديو التى لديك ”
(Broadcast yourself. Watch and share your videos worldwide!)
بعدها تسارع عدد مستخدمى الموقع من 30 مستخدم يوميا فى مايو الى 3 مليون مستخدم فى ديسمبر نفس العام 2005 ، خطوة اخرى كبيرة استجابت لها ادارة موقع اليوتيوب جعلت شهرة الموقع تزداد ورفعت نسبة المستخدمين ذلك ان ادخل مبرمجى اليوتيوب خاصية تسمح للمستخدمين ارسال مقاطع الفيديو خاصتهم الى مواقعهم الشخصية على صفحاتهم الشخصية او مدوناتهم على موقع ماى سبيس (MySpace ) الاشهر فى ذلك الوقت باعتباره اول شبكة اجتماعية تم تأسيسها واشتراها الملياردير روبرت موردخ بمبلغ 580 مليون دولار فى صيف 2005 كوسيلة لجذب مزيدا من المشاهدين لشبكته فوكس التلفزيونية (Fox TV ). هذه الخطوة الذكية بادخال مطورى برامج موقع اليوتيوب لاكواد اضافة الفيديو جعلت شركات كبرى تعيد النظر فى امكانيات اليوتيوب المستقبلية اذ انه فى ذلك الوقت لم يكن موقع اليوتيوب منضما لفئة المواقع الكبرى فكان ترتيب المواقع من حيث عدد المستخدمين والزوار يضع موقع ياهو فى المقدمة يليه ام اس ان ، جوجل ، الا ان اصرار ادارة اليوتيوب على التعامل مع المواقع الكبرى ساعد فى نموالموقع بنسبة 300% فى منتصف 2006.
وفى 9 اكتوبر 2006 اعلنت صفقة تاريخية حيث اشترت شركة جوجل موقع اليوتيوب بمبلغ (1.65) مليار دولار وبحساب اسهم المؤسسين الثلاثة حصل كلا من شين و هارلى على حدى مبلغ 325 مليون دولار وحصل جاود كريم على مبلغ 64 مليون دولار امريكى…
الجدير بالذكر ان تشاد هارلى كان يبلغ من العمر وقتها 28 عاما ، وبلغ حينها جاود كريم 26 عاما !

ان تنمية الفكر الناقد والقدرة على الابتكار ينبغى ان تكون مستهدفات اساسية لاى نظام تعليمى ، فلا يمكن بحال من الاحوال ان يظل التعليم قائما على مجرد تنمية القدرة على حفظ النصوص والمعادلات الرياضية وحقائق التاريخ والجغرافيا، وهذه مسؤولية المعلم بالاساس ، ان اختبار القدرة على التذكر والحفظ للطلاب طمست العديد من المواهب فى عالمنا العربى ، حولتهم الى ادوات للحفظ والتسميع ، وحولت المقررات الى مواد مملة لا ترتبط بالحياة ، رغم ان كل العلوم الطبيعية والانسانية تهدف لرفاهية الانسان ، فما قيمة العلم الذى لا يفيد الانسانية ، الاسوأ من ذلك اننا نجد قمعا مجتمعيا عجيبا يوجه للطالب ذو الفكر الناقد اذ سرعان ما يتم تفسير تساؤلاته المتكررة عن جدوى الاشياء او حقيقتها او اسباب عدم تطويرها ، تتحول الى سببا لاتهام الطالب باضاعة وقت المحاضرة فى جدل لا يفيد او بادعاء المعرفة وحب الظهور او بتعمد احراج المعلم!
فكيف للفكر الناقد أن ينمو وكيف للقدرة على الابداع والاختراع ان تنمو فى مناخ اجتماعى يستمد من العيب والحرام وما يصحش وممنوع قيودا لانهائية امام كل تفكير ، وكيف لطفل اعتاد الامتناع عن الحديث وكبح رغبته فى التساؤل وتم اسكاته فى المنزل وفى المدرسة وفى المسجد وبعدها فى الجامعة كيف له وهو رجل مسؤول ان يفكر ابداعيا فى المشكلات او ان يجد حلولا خارج الصندوق ؟ هل تتنزل عليه ملكة الابداع والتفكير الناقد من السماء فى لحظة واحدة وهو فى الاربعين او الخمسين؟

أسوا ما فى الامر من وجهة نظرى ان كل هذه الممنوعات والمحرمات هى فى حقيقتها لا اصل لمنعها او تحريمها فى الدين او القانون انما هو العرف والعادات الاجتماعية والتقاليد وكلها من صنع الانسان قيودا فرضها على نفسه وقيد بها حقه فى العلم وحقه فى الحياة .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top