راديكالي

ماذا لو عشنا بحلمٍ ذاتي فقط ؟! ماذا لو كانت الأنا فقط هي من تقود أحلامنا؟ ومالذي ستختلف عنه لو صيغت الأحلام بقالب النحن؟ هل تكون أحلامنا العامة حينها ثمناً يبخس منا حلماً ذاتياً ارتأيناه؟ بتّ أدرك في قرارة داخلي أن أكملَ الأحلام هي تلك التي تبدأ بحلم ذاتي وتنتهي بالعام. قلتُ ذلك مع عقلي وأخذ هو الآخر يمطر علي بوابل أسئلته.

عربي بوست
تم النشر: 2015/10/03 الساعة 03:05 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2015/10/03 الساعة 03:05 بتوقيت غرينتش

لم تكن رسالة "ساني" الفنلندية لي أمراً عادياً، تلك الرسالة التي أخبرتني فيها أن أحد زملائي عرّفها عليّ لأكون محور الفيلم الذي سينتجونه، وطلبت مني حينها أن أتتبّع في منتصف الليل أحلامي وأفرّغها كتابةً وأرسلها لها، وإن كان ثمة حلم يتكرر معي في مناماتي خلال السنوات الأخيرة فأدونه، إضافة إلى إرسال يومياتي، لقد عرفت "ساني" أنها طرقت بابي!.

ولقد عرفتُ أني سأجد نفسي في تتبع أثر أحلامي التي تأكل لبَّ كل ليلة من لياليّ حتى بتُّ لا أعرف شكل النوم بلا حلم!، ولقد عرفتُ أنّ ثمة رابطاً خفيّاً بين أحلام الليل وأعمال النهار، أوَ يصحّ أن نقول: بأن أحاديث الفكر لسان الأحلام؟! أو أن دواخل الأحلام مرايا ما نجترح في النهار؟! أو أن أحلامنا ليلاً هي اكتمالٌ لنواقص أحلامنا نهاراً؟! واجترّت رسالة "ساني" أسئلتي اجتراراً وقبلتُ أن أكشف عن حلمٍ ظل يباغتني كل ليلة ويتتبعني.. هنا قلت: سأبدأ وأتتبعه!

أذكر مرةً تقاسمتُ فيها حلمي مع ثمان من جنس حواء من مضارب شتى من هذا العالم وقد اجتمعنا في غرفة صغيرة فيها ثماني أسرّة ، كل واحد منها يحمل آخرَ فوقه، ويلتحف كلُّ سرير بفرشةٍ مهترئة وبطانيةٍ رمادية، وفي الغرفة ذاتها "حمّام" ذو باب هرِم لا يُقفل، في مبنى من المباني التي كتب في لوحة الإعلانات فيها على المدخل "المحتجزون غير المرغوب بهم في دولة إسرائيل".. لا أذكر أني استطعت قراءة أكثر من هذه الكلمات في الوقت الذي أصر فيه الضابط الإسرائيلي عليّ بعدم الوقوف والتوجه مباشرة إلى حيث يقتادنا. كنّ الثمانية من جنسيات أوروبية وشرق آسيوية مختلفة وأنا العربية الوحيدة بينهم، بين عاملة منهم تقبض في "تل أبيب" ضعف ما كانت تقبضه في إحدى دول الخليج متمنية أن تبقى للعمل، وأخريات يشاركنها الحلم ذاته، سألنني: من أين أنت؟ قلت لهم: من القدس أبا عن جد، قلن لي: ولماذا أنت معنا هنا؟ قلت: لأنهم في كل مرة يسألوني عند ختم الجوازات لماذا تصرين على زيارة "إسرائيل" فأقول لأنكم تصرون ألا أرى وطني!
صمتّ.. لم أكن أرغب في التحدث مطلقاً، صعدت على الطابق الثاني لأحد الأسرة، وضعت حجابي على الوسادة والتحفت بكنزة كنت قد ارتديتها، وألقيت بالبطانية بعيدا، وجلستُ أتسمر بالسقف فوقي، وببقايا وطن يتسرب من بين ثقب نافذة تطل عليه ولا يُرى منه إلا سماؤه.
فُتح الباب فجأة، وتسلل صوت الضابط لا أعرف مالذي قاله بالضبط إلا أن الفرحة بدت على نساء الغرفة وانطلقن خارجاً.. تماماً كما يفعل الأطفال حين يدق جرس المدرسة معلنا أن: حان وقت الفرصة! ..
دفعتُ أقدامي دفعاً، فحلمي بقي معلقاً وإن قطعت الطريق لوطنٍ حارس بوابته سارقه! والحالمون به كثر! رأوه ومارأيته.. أتساءل: وأيهم أحق بهذا الحلم؟؟ وهل للأحلام ملكية فردية أم أنها ملكية عامة؟ وهل في الأحلام موائد يقتات فيها الأقوى ويصرع الأضعف منه؟ أسئلة بدأت تتكاثر، وأنا في طريق تدويني لـ"ساني".
ماذا لو عشنا بحلمٍ ذاتي فقط ؟! ماذا لو كانت الأنا فقط هي من تقود أحلامنا؟ ومالذي ستختلف عنه لو صيغت الأحلام بقالب النحن؟ هل تكون أحلامنا العامة حينها ثمناً يبخس منا حلماً ذاتياً ارتأيناه؟ بتّ أدرك في قرارة داخلي أن أكملَ الأحلام هي تلك التي تبدأ بحلم ذاتي وتنتهي بالعام. قلتُ ذلك مع عقلي وأخذ هو الآخر يمطر علي بوابل أسئلته.
هل للأحلام قيمة تتفاوت؟ هل تخضع هي الأخرى للطبقية؟ هل تعلو قيمتها مع تقدم العمر فيُنظر لسالف ما حلمنا بأنه ضرب من العبثية والعنفوان؟ أم أنها تهرم كلما كبرنا وتتضاءل على مقصلة العمر حتى تموت؟ أوقفتُ تلك الجلجلة التي أحدثها عقلي في مصارع فكري وقلت: لا لا ياعبير، ما كانت أحلامك لتخطأك، آمني بكل حلم كان في ضيافتك، مهما بدا لك تافهاً، أكرميه، حدّ الشبع.
تبدو بعض الأشياء البدهية لديك حلما عند آخرين، كما العكس.
"وماذا لو أكرمته وخانك ؟" قال لي عقلي، سرحتُ بعيدا: " محقٌ يا عقلي أنت وما أقسى خيانة الواقع حين تأتيك من نفسك أو من أهلك أو من وطنك، كم من الأحلام شُنقت على مقصلة الواقع". "وكم من واقعٍ احتضر تحت مظلة الأحلام"، رد عقلي. " صحيح لكني أومن بما قاله درويش يوما" على قدر حلمك تتسع الأرض".. ويملؤني الإيمان أيضا بأن الله يعلم ما لا نعلم ويرى ما لا نرى.. لذلك سأبقى أسير وأسير حتى أصل".
وماذا إن لم تصلي؟ وماذا إن وصلت ورُددت؟ أسيبقى قلبك عامرا بحلمك؟..سؤال تلو الآخر على منصة العقل راودني..
لا أعرف كم من العمر سيُرزق حلمي، ولكن ماأعرفه تماماً أن الطريق إلى الحلم أجمل مافيه، لذلك لا يهمني إن كان قدري يخالف حلمي، فيكفيني أني إنسان، ولكل إنسان ماسعى!.. قلت والسلام يأتيني من الداخل.
أرسلتُ ل"ساني" حلمي المتكرر في كل ليلة ، أحلامي وأمنياتي، يومياتي، تم إنتاج الفيلم، وتحققت أحلامي التي ذكرتها فيه بعد سنة من الإنتاج، إلا حلماً واحداً لن يفنى! يمكنكم الاطلاع عليه من خلال هذا الفيلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تحميل المزيد