عن الجيش وفساده

اتهامات تصل إلى حد الخيانة العظمى وجهت إلى عدد من أعضاء المجلس العسكري بالعام ٢٠١٢، ورغم حيثية مطلقها، لكن المؤسسة العسكرية غضت الطرف عنها، ليتكفل النسيان بطيها، أو هكذا أرادت قيادات العسكر.

الاتهامات ساقها المقدم معتصم فتحي الضابط السابق بجهاز الرقابة الإدارية في حوار قديم أجرته جريدة الوطن بتاريخ ٢٥٨٢٠١٢، إذ وصف فتحي عددا من أعضاء المجلس العسكري بأنهم “أكبر مهربي السولار المدعم”، وهي جريمة تصل إلى حد الخيانة العظمى في بلد لا تلبث أن تنتهي أزمة السولار به حتى تتجدد.

المقدم متعصم ذكر بحواره أن عددا من هؤلاء خرج من الخدمة، لكن بعضهم استمر وتمت ترقيته رغم الشبهات المثارة حوله، مؤكدا على أن منهم من تجاوزت ثروته الخمسين مليونا، أما مصدر هذه الثروات فلا يقتصر على تهريب السولار، إذ يمتد ليشمل أشكال أخرى من جرائم استغلال النفوذ كالحصول على رشاوي من مقاولين بالمشروعات المتعددة التي تشرف عليها القوات المسلحة.

اتهامات المقدم معتصم شملت وزير الدفاع الأسبق والمقرب من الرئيس السيسي محمد حسين طنطاوي، إذ اتهم طنطاوي بالتستر على رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق محمد فريد التهامي، ليغض الأخير الطرف عن تهريب رموز نظام مبارك أموالهم خارج البلاد، ومنهم زكريا عزمي وصفوت الشريف، وكذلك إخفاء أوراق تدين جمال وعلاء مبارك في قضايا استغلال نفوذ، في فترة تولي المجلس العسكري حكم البلاد.

فساد قيادات الجيش اتخذ صورا أخرى غير التي ذكرها المقدم معتصم، إذ استغلت القيادات القوة العسكرية لحماية مصالحها ومصالح شركائها، وهو ما وقع في الأيام الأولى لأحداث الثورة – بحسب دراسة نشرها مركز كارنيجي للدراسات – فقامت بوضع قوة عسكرية لحماية أصول شركة الخرافي الكويتية، كما استعملت قواتها في قمع اضطرابات عمالية متصلة بمصالح الجيش الاقتصادية، حيث ﺍعتدت ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ على عمال مضربين بالسويس في يوليو ٢٠١١، وتكرر الأمر بعد تولي السيسي السلطة إثر تفريق مضربين بمينائي بورسعيد والعين السخنة بواسطة جنود الجيش الثاني الميداني.

وفي دولة معرقة في الاستبداد والفساد، كان طبيعا أن لا يؤبه لكل ذلك، فلم تقم تحقيقات جادة حول وقائع الفساد المذكورة حتى بعد أن قدم فتحي في شأنها عدة بلاغات للنائب العام الأسبق وحيد عبد المجيد، ليعاقب المقدم معتصم بسببها بعد إعادة نظام ٣ يوليو محمد فريد التهامي إلى منصبه كرئيس لجهاز الرقابة الإدارية؛ فُنقل فتحي إلى فرع صغير للجهاز بمحافظة البحيرة، ثم تم تجريده من رتبته ونقله لوظيفة مكتبية في إدارة الشئون القانونية بوزارة التجارة، كما خُفض راتبه من 12 ألف جنيه إلى 1400 جنيه، وحرم من جميع امتيازاته التأمينية بالإضافة إلى حرمانه من مكافأة نهاية الخدمة بعد 15 عاما قضاها كضابط بالرقابة الإدارية!

المشكلة الرئيسة بخصوص الوقائع التي ذكرها المقدم فتحي لا تقتصر على عدم محاسبة أطرافها، ولا على إمكانية استمرار بعضهم في مناصبهم، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها، بل في اتساع رقعة الفساد اليوم بما لا يقارن مع ما ذكره المقدم معتصم بالأمس، وهي فرضية يدعمها التضخم المستمر لامبراطورية الجيش الاقتصادية، إذ بجانب احتكار المؤسسة العسكرية لجل المشروعات الضخمة بالبلد كمشروع تنمية قناة السويس، ومشروعات البنى التحتية الممولة من الإمارات، والمشروعات الكبرى بقطاع النقل البحري وغير ذلك؛ اتجه الجيش لنقل ملكيات الدولة إليه كشركة النصر لصناعة السيارات وأسهم شركة فودافون المملوكة للدولة.

وزادت أهميته كشريك استثماري تتدافع المؤسسات الاقتصادية الدولية لعقد شراكة معه، كـ”جنرال إلكتريك” و”ميتسوبيشي”..، كما تحلقت حول مشروعاته طبقة جديدة من رجال الأعمال قوامها الجنرالات السابقين، تمثل البوابة الوحيدة لشركات القطاع الخاص في المشاركة بمشروعات القوات المسلحة.

كل هذا يدلل على أن تغيرا نوعيا طرأ على دور المؤسسة العسكرية، وأن فرص الفساد بعد هذا الطارئ آخذة في الازدياد، يضاعفها غياب المحاسبة.

بدون مواربة أو مبالغة نحن أمام بؤرة للفساد تتكون داخل القوات المسلحة، لا يطالها قانون، ولا يقربها إعلام، لتبلع بداخلها، في يوم قريب، الدولة بأكملها، ولا عزاء لمن اعتقدوا ومازالوا أن المؤسسة العسكرية، كما خلفها مبارك، يمكن أن تكون قاطرة لعهدٍ جديد يخاصم عهد المخلوع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top