خَيَالٌ

(بعدما طاف في طول البلاد وعرضها.. تبيّن له أن الكنز كان قريبا منه من حيث لا يشعر). هذه فكرة أساسية لحكايات كثيرة ينسجها يَرَاعُ الروائيين والشعراء. وهي لصيقة بواقع الناس، حيث يفنون أعمارهم في طلب السعادة في أشياء ليست لهم، ولو بحثوا عنها فيما يملكون لشربوا منها كأسا مُترعا.
كلنا محمّلون بالمقولات، والمعاني مطروحة في الطرقات كما يقول الجاحظ، ولكن كل إنسان يقتنص منها بحسب حالة نفسه. بعضنا يعرف هذا وبعضنا يجهله.
يُوصف الإله في التراث الإسلامي بأنه (خفيُّ اللُطف) حيث يستر نعمته وفضله في صورة أضدادها، وأن رزقه يأتي من (حيث لا يحتسب) الإنسان. لماذا؟ لا أدري. لعل وصول الإنسان للمعنى الخفي أشد إيناسا لنفسه، أو لأن الله عزيز عالي الشأن فيحتاج الإنسان -كشأن الحياة- أن يجهد نفسه لنيل الأمر العزيز الغالي، ولعل الله أراد أن يحتجب عن خلقه لينعموا بنعمة المسير إليه، ومحاولة الكشف عنه. إن شمس الصباح تكون أجمل ما تكون بعدما تفتح النافذة التي تحجبك عنها.
ما علاقة هذه المقدمة بالعنوان؟ أتعجب ممن يسأل عن علاقة شيء بآخر في كون يتصل فيه كل شيء بكل شيء. المهم.. العلاقة أن الخيال هو أحد نعم الله الكُبرى إذا عُدّت النعم، وبرغم من أنه يطرق كل ذهن في كل يوم، إلا أنه كنز خفي يجهل قدره كثير من الخلق. ونحن نعيد إليه اعتباره. فشأن الناس مع الخيال كشأن العربي القائل:
كالعيسِ في البيداءِ يقتُلُها الظما ** والماء فوق ظهورها محمولُ
قد عرّفوا الخيال بأنه (هو حركة النفس في المحسوسات)، فما يشاهده الإنسان بعينيه بمثابة الألوان التي يرسم بها أخيلته، فيشكّل من مشاهداته صورا تتحرك، ويجرّدها ويضيف إليها، بحيث تحاكي هذه الصورة الحياةَ في تألقها، ثم تتأثر مشاعره بهذه الصور. فيبدأ الإنسان سفرا باطنيا يبدأ من المشاهدة إلى الخيال، ومنه إلى الشعور، محطته الأولى هي العين، والثانية هي الذهن، والثالثة هي الوجدان.
فالخيال سفر.. يبدأ من المشاهدة، وليس له مستقر.
ومن فضل الخيال على الإنسان أنه يبل عطش القلب المشتاق، فيكون الاستمتاع به -مع كونه زورا وباطلا- كالاستمتاع بالحقيقة. فكم رأى الإنسان من أحلام حال نومه، وكم غاص في أخيلة حال يقظته، أسعفته بوصال حبيب هاجر، وأروته بجمال لقاء عابر. ومنه أنه زيارة من غير وعد، وأجمل ما تكون السعادة حين تكون مفاجأة، فيطرق ذهن الإنسان فيجمعه بحبيبه، من غير خوف من رقيب، ولا ضرر من عزول. وأنه متعال على الزمان والمكان.. فيأتي لخاطر الإنسان في أي وقت، ويسافر به بلا وقت، إلى كل مكان.
فالخيال رسول المحبين.. وجنة المحرومين.
والخيال هو بداية كثير من الفضائل. فليس العلمُ التجريبي إلا فرضية يفترضها الخيال ثم تؤيدها التجارب الواقعية أو تنقضها. فأول العلم الفرضية، وهي خيال محض. وأول الاختراع خيال، ثم يرى النور. وهو البذرة الأولى للثورة. فالإنسان لا يثور حتى يتخيل نفسه في واقع ممكن أفضل، مقدور عليه، لا يقف بينه وبينه إلا أن يزأر ويقلب أوضاعه السياسية.
فالخيال دوما سابق للحركة.
والخيال هو أهم نوافذ القلب الذي هو مجلى النور الإلهي، والصفحة التي في باطن الإنسان التي يصلح أن ترتسم عليها كلمات الله التي لا تنفد وإن نفد البحر. ولذلك فقد اعتمد أهل التزكية الإسلامية على الخيال اعتمادا لا نظير له. فها هو يبدأ رحلته الأولى مع الحارث المحاسبي الذي كتب كتاب (التوهُّم) يريد للإنسان أن يسافر بخياله في درجات الدار الآخرة ليكون ذلك عونا لقلبه على تعظيم شأن الآخرة وخشية الله والزهد في الدنيا. ولم يزل هذا حال السائرين إلى الله. فهذه بعض مسالك التربية الروحية تولي عناية كبيرة بالخيال، حيث يطلبون من الإنسان أن يغلق عينيه ويحضر بخياله مجلسه مع شيخه فيأنس به ويتعلم منه، ويطلبون منه التفكر في الموت وحياة الإنسان في منازل الآخرة كذلك. ولم يزل المدرسون والمربون والوعاظ -بل والسياسيون- يستثمرون هذه العلاقة بين الخيال والشعور ليحدثوا الأثر المطلوب في نفوس من يريدون. ولو اطلعت على كتاب (طيف الخيال) للشريف المرتضى لرأيت عناية الشعراء بهذا الخيال وطيفه الزائر.
فالخيال نافذة النور إلى القلب.
وبهذه القوة الخيالية يتمكّن الإنسان من صنع واقع جديد. كثيرا ما ننقد ما لا يمكننا تغييره حتى يبقى خيالنا حرا من واقعنا. ولم يستطع الجبابرة والشموليون مهما بلغت سطوتهم أن يحبسوا خيال الإنسان، فكم بقيت يد الإنسان في القيد، وخياله يسبح في أنحاء السماء. والخيال كذلك لا يتقيد بالواقع. فكم من حبيب ديدنه الهجر في الواقع والوصل في الخيال. وإن كانت طبيعة الأشياء أن العين تري القلب في الحقيقة، فالقلب هو الذي يُري العين في الخيال.
فالخيال لا يعرف القيد.
والخيال رياضة نفسية شأنه كشأن الرياضات البدنية. فكما تقوى عضلات الكتف بكثرة تمرينها وإعمالها، فعضلة الخيال تقوى بكثرة التخيل. ثم إن مدخلاتها الأولى هي المشاهدات، فكلما كثرت رحلات الإنسان، ونظراته، وتأملاته، وتجاربه كلما وجد مادة أوسع يعمل فيها أخيلته.
فالخيال يتسع باتساع التجربة.
فيا أيها المسجون الذي ضاقت عليه الحقيقة بما رحبت، والمحزون الذي سالت أودية أحزانه بقدرها، والمحب الذي يعذبه الهجران ويؤنسه الوصال، و الثائر الذي تعبت أحلامه من مدافعة وطنه، والسالك الذي يبحث عن صوت الله في أعماق روحه. لكم -جميعا- في الخيال حياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top