المشهد 1
ضوء ساطع وسط الغرفة , أربعة أشخاص يلتفون حولها وقد نامت علي سرير يتوسطهم , يتناول أحدهم مشرط الجراحة ويشير بيده الاخري اليها كي تهدأ من روعها , تاخذ نفسا عميقا وتكتمه بينما الطبيب يشق طريقه عبر بطنها , هذه المرة هي تشعر بالخوف لا الألم , فالأول يبدو أن لا سلطان عليه و والثاني يكفيه بضع ملليجرامات من المخدر , ربما تشعر بالخوف من ان تفقد ولدها كما فقدته مرتين قبل ذلك , كلتا المرتين اكتفى بقضاء تسعة أشهر برفقتها ثم يرحل فى هدوء .
حسب قول الاطباء هذه فرصتها الاخيرة كي تنجب , فحالتها الصحية لا تسمح بتكرار التجربة , فرصتها الاخيرة أمام أعين الناس التى لا ترحم ولسانهم الذى لا يستريح , و أمام أهل زوجها الذين لن يدخروا جهدا فى التفريق بينها وبينه إن لم تنجب له ذرية تحمل إسمه , لا تريد من الله سوي أن يكون بجانبها هذه المرة , أن يرزقها بمن يعينها على الحياة .
تفكر فى هذا كله وقد غابت عن الغرفة بمن فيها للحظات, يرتد اليها بصرها لوهلة , الطبيب يمسك شيئا ما بكلتا يديه , يبكي الشئ فتبستم , ينظر اليها الطبيب فيجدها تهمس فى هدوء :
” وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ”
مشهد 2
بعد يوم دراسي طويل , يتمدد على فناء أحد المدارس العتيقة , القميص فقد بعض اجزاؤه , ووجه الصبي ما زال يحمل اثار المعركة , يحيط به بعض من الاصدقاء المشردين , الولد لا يبكي رغم انكساره , الاخرون يضحكون بهستيريا , ويذكرونه و أمه بكل خير , هو يحب أمه بالتأكيد لكنه لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الضرب , لا ذنب لهذا المسكين سوي طيبته المبالغ فيها , طيبته التى جعلته مسخا وسط أقرانه يفعلون به ما يحلو لهم .
يتحرك أحدهم تجاه زميلنا الممدد على الأرض , يمسك بحقيبته التى القيت بجواره ويشير بيده إلى بركة ماء عفن قد استقرت فى جانب الفناء ليحدد المكان الذي سيستقر فيه مجهود الصبى طوال ثلاثة أشهر من الدراسة .
وعلى غير المتوقع يصرخ الولد ” يا عم حرام , الشنطة فيها كتاب دين ! ” , قالها وتمني لو ابتلعته الأرض , تمني لو انقذه “كتاب الدين” هذه المرة .
ينظر حامل الحقيبة إلى رفاقه , يعض على شفتيه متململا ثم يلقيها مرة أخرى بجانب الولد , يقترب من أذنه ليهمس ” متجيبهوش المرة الجاية يا روح أمك ” .
يرحل الجميع و يبقى الولد ممددا على التراب يتذكر تلك الاية التى قرأها مع أبيه ذات يوم :
” وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ( 22)”
لا يدري هل توافق الأية هذا الموقف أم لا , لكن حسبه أنه سيعود لمنزله الأن وسيحمد الله على ذلك كثيرا !
مشهد 3
الليلة الأخيرة قبل بدء امتحانات الثانوية العامة , تجلس على سريرها و تبدأ فى ترتيل بضع أيات من القران , تقرأ سورة يس , هي تحب تلك السورة وترتلها كلما أحست بضيق الموقف كما اوصتها أمها المتوفية منذ زمن , أية تلو أخرى وصفحة تدفع صاحبتها حتى انتهت السورة , كانت تقرأ بعينيها فقط فى واقع الأمر .
كان ذهنها فى عالم اخر , يدور فيه اسئلة حائرة , هل ستحقق ما تمنت هذا العام , يحالفها الحظ و تجد نتيجة لمجهود شهور طويلة ثقيلة , المخيف فى الأمر إدراكها أن الدراسة جزء من الحياة , والحياة يحكمها القدر لا المنطق , قد تجتهد ولا توفق لسبب لا تعلمه , فما العمل حينها ؟!
هل يقف القدر فى صفها فتصبح طبيبة كما رغبت امها , هل يعفو الله عما كان منها من أخطاء , ام يعاقبها على سوء عملها الان وفى هذا الموقف بالذات .
الله غفور , الله رحيم , وهى فى أشد الحاجة لكليهما الان , فقط تجتاز هذه المرحلة من الحياة بخير وسيصبح كل شئ على ما يرام , لا يعقل أن يتخلى عنها الله حين تحتاجه , وأن لاتجد طريقه حين تسعي إليه , كان معها حتى وإن تركته فكيف يتركها الان !
تضع المصحف بجوار أوراق المذاكرة , تمسك ببعضها تقلبهم حتى تقع عينيها على بداية صفحة ما وقد كتبت فيها ذات يوم :
” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ”
مشهد 4
داخل أروقة أحد المساجد , يفترش جمع من الناس الأرض , متحلقين أحد الأعمدة الضخمة , يجلس وسطهم رجل بعمامة بيضاء وجواره اثنين – شاب و شيخ – قد مدوا بإيديهم أمامه ليتصافحوا .
يوجه الشيخ حديثه إلى الشاب قائلا : ردد ورائي
“إنى استخرت الله تعالى وطلبت منك ان تزوجنى ابنتك وموكلتك على كتاب الله وسنة رسوله ”
يردد الشاب ثم يلتفت المأذون إلى الشيخ يخبره بكلمات إن اتمهن , يكمل عقد قران إبنته الوحيدة , لتنتقل بهذا من بيته إلى بيت زوجها ليكملا الدرب سويا , كل ما يتمناه الشيخ لإبنته فى هذه اللحظة أن تكون قد أحسنت الاختيار , ان تكون قد فازت بمن هو افضل منه كثيرا , قد يغار منه حينها لكن يكفيه أن يطمئن عليها بصحبة من على هذه الشاكلة.
هى الأقرب إلى قلبه فى هذه الدنيا , أحبها حتى أودع فيها من روحه الكثير , ومن ثم أودعها الخالق كي يحفظها ويتم عليها سعادة الدنيا والأخرة , حسبه أن يكافؤه الله فيها ولعله يسمع منه فيستجيب .
ينتهى المأذون من عمله , يدعو للعروسين بالبركة وطيب العيش , يقوم الأب ليسلم على زوج إبنته يشد على كلتا يديه , و يعطيه ورقة مطوية كتب فيها :
” رفقا بالقوارير”
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.