عبد العالي الذهبي
(أستاذ وباحث من المغرب)
قد يبدو من الإجحاف أن ننعت السياسيين الأوربيين بالبلاهة وسوء التقدير في بعض قراراتهم واستراتيجياتهم، وهم الذين يرجع لهم الفضل في مواصلة توطيد الديمقراطية، وتحقيق الرفاه والتنمية في بلدانهم، وضمان استمرارية حضورها الوازن في المجتمع الدولي، لكن السياسة مهما بلغت من درجات الاحتراف والعقلانية واتساع الأفق، فإنها من غير المستحيل أن تسقط في الهاوية ومتاهة الخطأ والتجريب
وفي هذا السياق لم يتردد الكثير من المحللين والكتاب والصحفيين في التقييم السلبي لأداء الساسة الأوربيين، وتحديدا فيما يتعلق بالتراخي في اتخاذ مواقف حازمة والتزام المنطقة الرمادية بشأن سوريا.
ومنذ اندلاع الثورة استند التلكؤ الغربي على عدم تعرض أمن إسرائيل لأي خطر يذكر، بل بالعكس من ذلك فإن هذه الثورة التي تحولت إلى اقتتال أهلي وحروب إقليمية ودولية تجري بالوكالة على الأرض السورية، ستعمل على تفتيت دولة محايدة لإسرائيل قد تشكل خطرا مستقبليا إن نجحت ثورتها. ويرجع أيضا غموض الموقف الغربي إلى افتقار سوريا لموارد طبيعية واعتبارها من المجالات التي يعني التدخل فيها خلق مشكلة مع روسيا التي تتعاظم قوتها بشكل متسارع.
إن تدفق أفواج اللاجئين السوريين أساسا ومعهم العراقيون والأفارقة على الأراضي الأوروبية بهذا القدر غير المسبوق، سيغير في المستقبل البعيد ولم لا المنظور من البنية الديموغرافية لأوروبا، وما يستتبع ذلك من تحولات اجتماعية ودينية، وهو ما دفع بخروج مظاهرات تعارض التسامح مع اللاجئين وتطالب بتغيير القوانين للحفاظ على هوية أوروبا، وهو ما تماهت معه قوى سياسية وجمعيات ومنظمات مدنية.
صحيح أن أوروبا تنزف ديموغرافيا جراء تراجع معدل النمو الديموغرافي بفعل دخولها في نظام ديموغرافي جد متقدم (تراجع حاد في الولادات، وتراجع في الوفيات)، هذه الأزمة الديموغرافية قد يكون حلها في استقدام المهاجرين؛ لكن من يمنع خروج متطرفين وعدميين يهددون أمن أوروبا التي تنخرط في الحرب على ما يسمى الإرهاب؟ فمهما بلغت جهود الإدماج وحتى التنصير التي تروج أخبار عن التبشير به في صفوف اللاجئين، فإن ذلك لن يمكّن من صهر هؤلاء في المجتمع الأوروبي تماما.
لا يمكن عزل المواقف الأوروبية عن مجمل السياسة الغربية، لكن إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، فإن هذه القوى بمنأى إلى حد كبير عن أزمة اللاجئين والآثار المباشرة المترتبة عنها، وحتى القوى المتدخلة مباشرة في سوريا أو التي ترك لها المجال للتدخل (إيران وروسيا)، لن تتضرر كثيرا بسبب أزمة اللاجئين حيث تبقى أوروبا هي الوجهة المفضلة بالنسبة لهم.
ومع أن الأزمة في الشرق الأوسط وليست في أوروبا، لكن هذا لا يعفي الأوروبيين من المسؤولية، نظرا لتملكهم جزءا من القرار الدولي والقدرة على التأثير عليه، واحتضان بلدانهم لمجموعة من المؤسسات الدولية، والعضوية الدائمة لبريطانيا وفرنسا في مجلس الأمن، فضلا على أن الأوربيين ينصبون أنفسهم حماة لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمصالح الاقتصادية الأوربية في المنطقة ثم المسؤولية التاريخية عن المأزق الشرق متوسطي بفعل الاستعمار ورسم الحدود وتقسيم فلسطين.
قد تظهر مستقبلا مساوئ عدم جدية الأوروبيين وحلفائهم في حل نزاعات الشرق الأوسط وخصوصا الأزمة السورية، وترك المجال لخصومهم الروس والإيرانيين، الذين لم يكتفوا بالمبادرات الدبلوماسية والتجييش الخارجي، وإنما تدخلوا فعلياً ودعموا الجيوش المحلية، وفي الوقت نفسه ربما لن تشملهم التأثيرات السلبية للنزاع، بالقدر الذي شملت الأوروبيين.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.