هايد بارك (Hyde Park) هي واحدة من أكبرِ الحدائق الموجودة في لندن عاصمة المملكة المتحدة، وهي إحدى الحدائق الملكيّة التي تستخدم للتعبير عن الحريات ووجهات النظر المختلفة، ومساحتها 140 هكتارًا، وبها ما يُسمَّى Speakers Corner أو “زاوية المُتحدثين” للتعبير عن الآراء بحرية.
قبل ثورة 25 يناير 2011 في مصر كانت “سلالم” نقابة الصحفيين الطويلة التي تسع العشرات، بوسط القاهرة، هي المكان المفضل والأكثر أماناً للمطالبين بالحريات أو أصحاب المطالب من العمال والفلاحين والموظفين المحتجين، يقفون فوقها ليرفعوا مطالبهم وشعاراتهم ويهتفوا بينما تحاصرهم قوات الأمن، ومنها انطلقت شرارة الثورة، لأنه يجاورها أيضاً نقابة المحامين ونادي القضاة، ولهذا أطلق عليها البعض “هايد بارك الحريات”.
ومنذ بناء النقابة الحالية عام 1994، تحولت سلالمها (مدرجاتها) إلى “هايد بارك” للحريات، وصارت قبلة لجميع الحركات والقوى السياسية والنقابية المطالبة بالإصلاح والتغيير، كما تحول مدخلها وسلالم النقابة الطويلة لمقر المؤتمرات والمظاهرات والتجمعات مؤخرا، لكافة القوى السياسية.
سلالم النقابة عادت خلال الأشهر الاخيرة لتصبح ملاذاً للمتظاهرين من العمال والموظفين والعاطلين من الحاصلين على شهادة الدكتوراه، بجانب الصحفيين، بعدما منعت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي المظاهرات وحظرتها بقانون سُجن بسببه عشرات النشطاء لتظاهرهم دون إذن رسمي.
ومع عودة الاقبال على التظاهر على سلالم النقابة الطويلة انتشرت نكتة بين الصحفيين تقترح تأجير سلالم النقابة للمظاهرات، لتعود بمكاسب كبيرة على خزينة النقابة الخاوية، ونشر الاقتراح على مدونات بعض الصحفيين الذين قالوا: “هنكسب دهب، خصوصا بعد ما فشلت النقابة في تأجير الدورين الخامس والسادس كمحلات وكافيتريات لتحسين أحوالها المالية”.
القوى السياسية والحزبية والنقابية المختلفة أصبحت تفضل “رصيف” و”سلالم” النقابة الرخامية للوقوف عليها لرفع لافتات الاحتجاج وإطلاق الشعارات، لأنها تقع في أحد أشهر شوارع وسط القاهرة، كما أنه طريق حيوي للسيارات ما يسهل على المحتجين أو المتظاهرين توصيل رسالتهم للصحفيين ووسائل الإعلام والحكومة، كما أنه أصبح مكانا محايدا يصعب تدخل الأمن فيه لفض المظاهرات بالقوة خشية إثارة أزمة بين النقابة والحكومة.
ومنذ تدشين قوى سياسية مصرية مختلفة لسياسة التظاهر خلال عهد الرئيس السابق مبارك، للمطالبة بالإصلاح السياسي، تحولت سلالم مبنى النقابة الجديدة، التي افتتحت في تموز (يوليو) 2002 بتكلفة عشرة ملايين جنيه، وشيدته القوات المسلحة، إلى مكان مفضل وآمن للمظاهرات لكافة الفئات والقوى، ولكنها عادت في ظل القمع الحالي ومنع المظاهرات مرة أخرى لتصبح هي المكان الوحيد للتظاهر (الحريات) في مصر.
عقب ثورة 25 يناير 2011 انتقلت المظاهرات من سلالم النقابة أخيرا إلى ميدان التحرير الاوسع، وأمام مجلس الوزراء بشارع مجلس الشعب في مواجهة مبنى البرلمان، وأصبح مألوفاً رؤية المئات يتظاهرون هناك أو يعتصمون، ومنهم موظفون بملابسهم الداخلية أحياناً، للتعبير عن مطالبهم المالية في ظل تدني المرتبات.
ولكن عقب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وعودة قبض الشرطة والجيش على الميادين المختلفة ومنع المظاهرات بها، وصدور قانون التظاهر الذي جرى سجن العشرات بموجبه، عاد النشطاء وأصحاب المطالب من الموظفين والعمال والفئات المختلفة لسلالم نقابة الصحفيين (هايد بارك الحريات) مرة أخرى للتظاهر باعتبارها المكان الأكثر لفتاً للأنظار والأكثر أماناً ولضمان التغطية الصحفية الفورية لفعاليتهم.
وكانت سلسلة المظاهرة الضخمة التي قام بها موظفو الجمارك والضرائب ضد قانون “الخدمة الاجتماعية” الذي قلص حقوقهم الوظيفية والمالية في أغسطس وسبتمبر، على سلالم النقابة والتي أغلقت إحداها شارع عبد المنعم ثروت الحيوي بالكامل، مؤشراً قوياً على عودة هايد بارك الحريات (سلالم نقابة الصحفيين) مرة أخرى، بعدما اختفت عقب ثورة 25 يناير.
المظاهرات الاخيرة على سلالم النقابة تدعو للمقارنة بين الاحتجاجات في عهدي مبارك والسيسي، وبالتالي التساؤل عن احتمالات تكرار سيناريو انفجار اﻷوضاع خلال الفترة المقبلة كما حدث مع نظام مبارك انطلاقاً من مظاهرات العمال والموظفين، منطلقة أيضاً من سلالم نقابة الصحفيين.
الظريف أن نقيب الصحفيين السابق مكرم محمد أحمد كان قد دعا خلال عهد الرئيس المخلوع مبارك لمنع التظاهر على سلالم النقابة بسبب تضرر النقابة من تسويق بعض مبانيها اقتصاديا، وظهرت اقتراحات في ذلك الحين من بعض (عشاق مبارك) بهدم سلالم النقابة وبناء مصعد كهربائي يسمح بصعود الصحفيين للمبنى فقط، ما أثار رفض وسخرية صحفيين، واليوم يدعو (عشاق السيسي) لتجديد الفكرة!.
وعندما صدر قرار هدم مقر الحزب الوطني قرب ميدان التحرير دعا البعض لتحويله لمتحف للثورة أو مكان للتظاهر، ولكن لأن هناك رغبة حالية للتخلص من كل ما يرمز لثورة 25 يناير، فقد تم رفض الفكرة، ولا أحد يعلم مصير المكان وهل سيكون مقر حزب وطني جديد لأنصار السيسي أم يضم للمتحف المصري أو يقام به فندق سياحي.
ولكن المؤكد أنه لم تعد طرح فكرة “هايد بارك” مكانها، واختفى الحديث عنها، لتستمر سلالم نقابة الصحفيين هي “هايد بارك” الحريات الحقيقي منذ عهد مبارك إلى السيسي.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.