لا تَسألوا عن أشياءَ إن تُبد لكم تسُؤكم

نحن في مستنقع, أو بالأحرى في منطقة مليئة بالرمال المتحركة, كلما حاولت إصلاح أمر من الأمور وجدت نفسك تغوص في أمور أخرى. الجاذبية في الرمال مستحيلة ولا تحتمل. ومن يريد أن ينجو بنفسه لابد أن يغرق الآخرين

عربي بوست
تم النشر: 2015/10/10 الساعة 03:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2015/10/10 الساعة 03:15 بتوقيت غرينتش

كنت قد قررت أن أكتب هذا المقال عن التاكسي والتسعيرة والعداد, ولكن واجهتني مشكلة.

سائقو التاكسي في الإسكندرية يُغالون في أجرة الركوب بشكل مبالغ فيه, وإذا طالبت بحقك الشرعي في تشغيل العداد تبرّم السائق وصرخ في وجهك، وقد يصل به الأمر إلى العراك معك لفظياً أو بدنياً.

عندما تساءلت لماذا؟ وجدت أن سائق التاكسي صافي ربح يومه لا يتعد المئة جنيه, لأنه رجل معطاء, يعطي السيارة ما تحتاجه من وقود ويعطي مالك السيارة الأجر اليومي المتفق عليه, فعندما يأخذ 150 جنيهاً في اليوم يسجد لله شكراً، وقد يحتفل كأنه أحرز هدف نهائي كأس العالم في الدقيقة التسعين.

وبما أنه مواطن مصري مثله مثل جميع المواطنين, لديه أسرة تريد من يطعمها وأطفال يريدون دروساً خصوصية وأقساط لابد أن يدفعها في الموعد. ثم تأتي أنت لكي تخبره بأنك ستدفع ثلاثة جنيهات بدلاً من عشرة, الطبيعي أنه سوف يُجن.

العداد هو الحق الطبيعي لكل مواطن, يحميك من غلاء الأسعار وتدفع مبلغاً معقولاً لا بأس به. ولكن, من يحمي سائق التاكسي؟ وافتراضاً قمنا بتخفيض الأسعار الأساسية على المواطنين, من سيحمي التجار؟ تدخل في دائرة مفرغة مليئة بالأسئلة التي لا يوجد لها إجابة واقعية أو حتى خيالية.

وإن أردت إخبار المسؤولين عن شكوكك ومخاوفك عن المستقبل, أراحوك وأنهوا لك المستقبل واتهموك بالخيانة والعمالة وإسقاط مؤسسات الدولة بتلك الأسئلة التي قام المجلس الأعلى للعالم بتلقينها لك حتى تأتي وتدمر أم الدنيا.

نحن في مستنقع, أو بالأحرى في منطقة مليئة بالرمال المتحركة, كلما حاولت إصلاح أمر من الأمور وجدت نفسك تغوص في أمور أخرى. الجاذبية في الرمال مستحيلة ولا تحتمل. ومن يريد أن ينجو بنفسه لابد أن يغرق الآخرين, وهذا على المستوى البروليتاري المنخفض, بينما على المستوى البرجوازي صاحب السلطة المرتفع الذي يشاهدنا ونحن في الرمال وهو في الساحل الشمالي, فمن مصلحته أن تظل في رمالك غارقاً حتى رأسك, لأنك إن ارتفعت ستغرقه هو.

على مر العصور, تم ترسيخ مصطلح "المجانين في نعيم" في أذهان الناس. فأصبح من يقوم "بتكبير دماغه" ويعيش حياته من دون أسئلة هو القطاع الأغلب من الشعب, لأنك على النقيض إن سألت فلن تجد إجابات وستذهب بنفسك إلى الجحيم, أو الأسوأ, إلى أمن الدولة. فحتى يظل الوضع الراهن كما هو ونظل "أهو.. عايشين" تم إلغاء الأسئلة من عقول الناس, وقبلوا بتلك الحياة, وأصبح من يسأل غريباً عنهم, لا ينتمي إليهم.

معرفة المشكلة أصل الحل, وحتى تعرف لابد أن تسأل, والسؤال أصل التغيير. اسألوا عن كل خاطئ, اسألوا عن كل غريب, اسألوا لماذا تلك الطريقة في حل الأمور، ولماذا هذا الرجل في ذاك المنصب. اسألوا ولا تخافوا من الأسئلة, لا تخافوا من التغيير. المسؤول سُمي مسؤولاً لأنك تسأله, لكن اعلم أن السبيل إلى التغيير لابد أن يكون أول مسؤولٍ فيه هو أنت. اسأل نفسك لماذا أنت راضٍ بهذا الوضع, اسأل نفسك لماذا لا تقوم بتغييره وإصلاحه أو على الأقل الهروب منه. قد تجد إجابات لا تسرّك, ولكن هذا طبيعي, لا تخف منها, لأنك إن تركتها ستصبح عفناً, وسيتراكم حتى يصبح مستنقعاً، وهكذا نشأ المستنقع الذي نحن فيه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحميل المزيد