قبل ثلاثين أو خمسة وثلاثين سنة من الآن، كنا أطفالاً نلهو نلعب ربما بطريقة خشنة نوعاً ما، فكانت تلك الإصابات الدامية أحياناً كثيرة، أذكر مثلاً أن ركبتيّ لم تكونا لتشفيا من تلك الجروح والخدوش المتراكمة فوق بعضها لكثرة تلك الإصابات، يا إلهي، كنا في مرات عدة كالعائد من معركة ضروس.
لهوُنا ذاك كان يخضع لقانون السنّ المتقاربة، بحيث يكون هناك شخص أكبر منا سناً ينصّب نفسه مراقباً علينا، ويُكسب نفسه حق تنفيذ العقاب بحق المخطئ منا، طبعاً كان ذلك بعد تحقيق ومحاكمة فاشلين تماماً.. هذا إن لم يكونا عنواناً للظلم أصلاً، ذاك الشخص العبثي الكبير، كان غالباً ما يكون الأخ الأكبر.
كنا في حالات مماثلة وكي نتجنب تلك المحاكمات الظالمة المستهترة، كنا غالباً ما نلجأ إلى أبينا أو أمنا لحل الإشكال الذي تسبب بالدموية والعنف، لكن، الأمر الغريب والذي فهمناه لتوّنا، هو رد أبوينا علينا وبنفس الصدر الرحب دائماً، والسؤال المحرج: لماذا لجأتم إلينا ألم يكن أخاكم الأكبر يرافقكم؟
عادة ما أستمع إلى المذياع وأنا متوجه إلى عملي في كل صباح، باحثاً عن نشرات الأخبار التي لا أقوى على متابعتها في المنزل، لأجد نفسي مجبراً على الاستماع لتلك البرامج التي يقوم المذيع من خلالها بسماع شكوى المواطنين، وذلك للتنفيس عن كبتهم وغيظهم من الحياة اليومية ومتطلباتها القاهرة، محاولة أحياناً تلك البرامج حل بعض من مشاكلهم وشكواهم، لكن ثمة ما هو غريب مؤخراً في هذه البرامج، حيث بتّ أستمع لشكاوى عدة وغالباً ما يَستهل صاحبها بالعبارة التالية: “أناشد جلالة الملك عبدالله الثاني…”، حتى في تلك الأمور والمشاكل البسيطة جداً! قد يحلها وزير أو رئيس بلدية أو حتى مراقب عمال.
كثيراً ما بت أشعر وأنا أتابع تلك البرامج بأن الملك مطلوب منه مثلاً أن يكون وزيراً أو رئيساً لبلدية ما.. أو سفيراً في السعودية، على الأقل ليجد ذاك الشاب الأردني الذي بات مفقوداً منذ حادث تدافع منى! والذي لم يستجب لأهل هذا الشاب المكلومين لا السفير الأردني في السعودية ولا حتى نائب عنه، الأغرب من ذلك هو أنه حتى بعد أن وصلت هذه القضية إلى وسائل الإعلام، لم نر أو نسمع رداً أو تعليقاً واحداً من قبل وزير الخارجية الأردني، أو حتى تصريحاً واحداً ولو مختصراً من الناطق الإعلامي باسم الحكومة، الأمر الذي دفع بوالد هذا الشاب المفقود بعد أن ذهب إلى السعودية للبحث عن ابنه بنفسه في المستشفيات والمشارح والمخافر، لنجده يناشد كالبقية جلالة الملك كي يجد له ابنه أو يحث السفير على الأقل ليتجاوب مع القضية.
إلى من يلجأ هذا الوالد المكلوم في قضية ابنه إن لم يلجأ الى سفارة بلده؟ ما وظيفة السفير إذاً إن لم تكن حماية مواطنيه في بلاد الغربة وتقديم العون والنصح والحماية اللازمة كما يفعل سفراء البلاد المحترمة المتقدمة والذين يعون تماماً أن أثمن موارد بلادهم هي المواطنون.
عندما تقوم السفيرة الأميركية في الأردن بالذهاب مثلاً إلى البادية الشمالية أو الجنوبية كي تتناول طبق “المنسف”، الطبق الشعبي الأشهر في الأردن، مع الوجهاء والمواطنين، فهي لم تذهب لتأكل بقدر ما ذهبت لتنفيذ سياسة بلادها في التقارب مع شعوب المنطقة وتلميع إدارتها والعمل على زيادة فاعلية سياسة بلادها الخارجية، قد يقوم سفراء بلادنا في الخارج بذات الأمر، لكن بفارق بسيط وهو تجربة وتذوق أطباق المطاعم الفخمة، بينما نجد السفير الياباني أو الصيني في الأردن مثلاً يتحدثان العربية بطلاقة كي يقتربا من الأردنيين أكثر، ولمزيد من فهم المنطقة “فمن تعلم لغة قوم أمن شرهم” نجد سفراءنا في الخارج يتعلمون الإنجليزية أو الفرنسية كي يعودوا إلينا متقاعدين وقد نسوا لغتهم العربية.
بدل أن يعود سفراؤنا وقد ألّفوا تلك الكتب أو كتبوا تلك المقالات التي تترجم سياسات تلك البلدان التي خدموا فيها، كما فعل الدبلوماسي الياباني الذي ألف كتاباً عن العرب وبلادهم التي خدم بها وقال قولته الشهيرة عنا كعرب: “العرب متدينون كثيراً وفاسدون كثيراً”، نجد سفراءنا ودبلوماسيينا قد عادوا من بلاد خدمتهم وفي جعبتهم تلك المعارف والعلاقات التي ما كان لها أن تصبّ إلا في مصالحهم ومآربهم الشخصية، قسْ على ذلك الملحق الثقافي والعسكري والتجاري، والله لو أن أمثال هؤلاء يعملون برواتهم التي يتقاضونها من جيوب دافعي الضرائب لما كانت صورة المواطن العربي وبلاده في ذهن المواطن الغربي على الأقل لغاية اللحظة، كمن يزالون يركبون الجمال ويعيشون في المغارات على سفوح الجبال.
هذا حال مسؤولينا في الأردن، ليس سفرائنا فحسب، وحال مسؤولنا العربي بشكل عام، وإلا
لماذا بات حال المواطن الأردني مناشداً الملك في كافة مشاكله أو معظمها في أحسن الظروف؟
هل بات المسؤول الأردني مفلساً وغير ذي جدوى وعبارة عن صفر على اليسار في وظيفته التي أُوكلت له؟
ماذا يفعل هؤلاء المسؤولون؟
ماذا عساهم معتقدون أنه واجب عليهم القيام به في وظائفهم تلك؟
متى يعي مسؤولنا الأردني، كما العربي، أن الوظيفة الحكومية التي أوكلت له هي تكليف وليست تشريفاً له ولعائلته وعشيرته؟
لله دركما يا أبي ويا أمي كم صبرتم على غباء وهذيان ومجون وفساد وصبيانية ونكوص مراقبينا من الكبار يوماً، لله دركم.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.