زلة اللسان في مصر لزلزلة الوضع في تونس

لم تكن زلّة الرئيس المصري في قوله: “فخامة الرخيص”، بدلاً من فخامة الرئيس، عفويّة حسب أصول علم الصوتيات. فلا قرابة بين الراء والهمزة في مخارج الحرفين، ولا يوجد في اللهجة المصريّة ما يتطلّب التماس الأعذار، فعندهم تُنطق القاف همزة والذال زاياً والجيم كما هو معلوم.
أما أن يصبح الرئيس رخيصاً فلا يُفهم إلاّ بتأويل يتّصل بالإسقاط، عندما ينطق المتكلّم بما في نفسه أو بما في غيره عن نفسه أو عن غيره… ولا يُستبعد، من جهة ثانية أن تكون زلّة السيسي في مصر إيذاناً بالدخول في مرحلة جديدة تعمل على زلزلة الوضع السياسيّ في تونس لتغيير المشهد برمّته استجابة لأوامر فوقيّة من دول متورّطة في التآمر على بلدان الربيع العربيّ.
فقد تزامنت تلك الزلّة المصريّة الغريبة مع زلات تونسيّة غير منتظرة. فبعد أن رُفعت حالة الطوارئ وتحسّن الوضع الأمنيّ تفجّرت في وجه حكومة الصيد انتقادات لاذعة، وحاصرتها الطوارق والمصائب من القريب قبل البعيد. حتّى هرول حمّة الهمامي، في مشهد مثير للسخرية، إلى إحدى الإذاعات ليعلن أنّ الجبهة الشعبيّة مستعدّة لقيادة البلاد، وكأنّ الذين يقودونها الآن حزموا حقائبهم للرحيل بعد أن تهاوت قيمتهم وانحدرت أسهمهم السياسيّة إلى أدنى المستويات ضعفاً وهواناً ليكتمل الرسم الكاريكاتيريّ عن وطن يقوده رئيس “رخيص” وتديره حكومة “رخيصة”.
وعلى أيّة حال، صار التوصيف المهين مفهوماً وشاملاً، لأنّه يتجاوز زلّة لسان السيسي إلى زلّة قلم الوزير الذي استقال من منصبه وبيّن أسبابه في رسالة وجّهها إلى رئيس الحكومة وإلى الرأي العام، حيث تحدّث لزهر العكرمي بصراحة مفاجئة عن حكومة يتعرّض أعضاؤها إلى “الإذلال المنظّم”. فتبنّى كلّ الانتقادات التي تتهمها بالتخاذل والفشل في معالجة الملفات الثقيلة وعلى رأسها ما يتعلّق بمحاسبة مافيا الفساد، إذْ يقول بوضوح: “نبّهت إلى ملفّات بعينها، وإلى شخوص متورّطة لا تستحق فقط الطرد بل المحاسبة الفوريّة والسجن، فوجدت نفسي كمن يصرخ في الربع الخالي، في حكومة قيل إنّ أيديها مرتعشة، وأنا أقول إنّه لا أيادي لها أصلاً لترتعش… لا يمكن محاربة الفساد بمسؤولين فاسدين”.
وبمثل ذلك التبرير تتحوّل الاستقالة إلى وسيلة لإضعاف الحكومة وإسقاطها مادامت تضمّ “مسؤولين فاسدين”. فشهادة العكرمي لا تقدّم اعتذاراً شخصيّاً أو شعوراً بصعوبة الإصلاح في مهمّة وزاريّة تخصّه، بقدر ما تتّجه إلى تعميم الاتهام بالعجز والتورّط في جرائم الفساد ليشمل كافّة أعضاء الحكومة، نظراً لمشاركتهم أو سكوتهم عن “الرشوة والاستيلاءات والجشع”، حتّى تساءل مستنكراً: “أين السلطة؟ ومن يحكم البلاد فعليّاً؟ ولماذا نتعرّض إلى إذلال منظّم شبيه بالعقاب؟”. وتلك الأسئلة تنذر بتطوّر نوعيّ في التعاطي مع حكومة تعيش على الأرجح أيامها الأخيرة. ولذلك لم تتأخّر ردود الأفعال. فبادر القياديّ في حزب “نداء تونس” منذر بلحاج علي إلى استغلال استقالة رفيقه ليعلن بدوره أنّ “حكومة الصيد لم تقدم شيئاً للتونسيين، ويجب استبدالها بحكومة سياسية قوية”.
إنّ مطالبة قياديّين ونوّاب من “نداء تونس” باستقالة الحكومة التي يقودها حزبهم، تدلّ على مفارقة تعكس حدّة الصراع بين اليساريّين والدساترة الذين حكموا البلاد معاً لمدّة نصف قرن بانخراطهم في حزبي بورقيبة وبن علي. والجديد في خلافهما بعد الثورة يكمن في تدخّل لوبيّات نافذة وقوى خارجيّة تتحكّم في الإعلام وتحرّك نجومه لتحقيق مآربها وحماية غنائمها السياسيّة والاقتصاديّة. فجميع الحكومات السابقة سقطت بفضل القصف الإعلاميّ المركّز. وقد عاد القصف لخلط الأوراق من جديد، فظهر الإعلامي معز بن غربيّة في سويسرا مهدِّداً ومهدَّداً، ليثير بلبلة بخصوص العمليّات الإرهابيّة التي شهدتها البلاد مؤخراً. فقال إنّه يعرف المتورّطين في الداخل والخارج، ويملك معطيات سريّة تتصل بالاغتيالات السياسيّة التي أربكت مسار الانتقال الديمقراطيّ، وغيّرت أولويّات الحكومات المتعاقبة فتغافلت عن أهداف الثورة وانشغلت بما يسمّى الحرب على الإرهاب.
إنّ خلط الأوراق بتلك الطريقة منذر بعودة الفوضى وتجدّد التراشق بالتهم الخطيرة التي تحيل على “الانقلاب والتوريث والتخابر واللوبيّات والعصابات والخيانة العظمى”، وقد اعترف بعض الندائيّين تحت وطأة الرغبة في إثارة الرأي العام بوجود جهاز الأمن الموازي بوزارة الداخليّة، واستظهر البعض الآخر بوثائق ومستندات سريّة تتعلّق بمعطيات شخصيّة ومكالمات هاتفيّة وقع التنصّت عليها دون إذن قضائيّ في خرق فاضح للدستور.
وفي كلّ مرّة تطالب فيها الحكومة بالاستقالة تتجدّد الدعوات لإقصاء حركة النهضة عن الحكم، وهي تشارك في الائتلاف الحاكم بوزارة يتيمة. وفي ذلك ما يؤكّد وجود تنسيق بين القوى اليساريّة التي تنشط داخل النداء وخارجه لتوحّد جهودها في سبيل الإطاحة بحكومة الحبيب الصيد.. لذلك استيقظت قيادات الجبهة الشعبيّة من سباتها وأعلنت رغبتها في قيادة البلاد.

وهكذا تكتمل أجزاء الصورة في تناغم واضح بين زلّة لسان السيسي في مصر، وزلّة قلم الوزير المستقيل في تونس، وزلّة قدم الإعلاميّ اللاجئ إلى سويسرا، ما يدلّ على استمرار الانشغال (داخليّاً وخارجيّاً) بما أثارته بلادنا من أطماع لدى البعض، ومخاوف لدى البعض الآخر في سياق تآمر متواصل على أقطار الربيع العربيّ.
فهل ستصمد حكومة الحبيب الصيد (الذي عمل مع المخلوع بن علي واكتسب خبرة مافيوزيّة) أمام تلك الفوضى المزلزلة؟ أم سيكون مصيرها كالحكومات السابقة التي لا تبقى في السلطة أكثر من سنة واحدة، فتسقط بسرعة بعد جريمة إرهابيّة أو مؤامرة خارجيّة أو حتى مجرد مكالمة هاتفية وزلّة لسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top