فيك انطوى الجمال الأكبر

كان عام 2013 ، كان شتاءً عصيباً بلا كهرباء ، و لم نكنْ بعد قد توصلنا إلى الحلولِ “القديمة” للتَّدفئةِ و الكهرباء ، لم نكنْ بعدُ قد عُدنا عشرين عاماً للوراء في الأدواتِ التي تضيء و تُدفئ ، كان شتاءً مظلماً و كفى ، بارداً و كفى !
و كان مضحكاً على صعوبة ما فيه ..

كنَّا نجلسُ ليالي الشِّتاء الطويلةِ في ظلام ، شمعةٌ تذوب تلو الأخرى شاحن يفرغُ تلو الآخر، مجتمعين أمامَ مدفأة حطبٍ مترفةٍ في منزلنا صُمِّمت جمالياً لا وظيفياً محاطةٌ بمرمرٍ غير ناقل للحرارة ، تحتاجُ ان تدخلَ فيها إلاّ قليلاً لتشعرَ بالدفء ، ما كنَّا نتوقعُ أن نحتاجها لغيرِ المنظرِ الجميل و السهراتِ اللطيفة ! إذ تعتمدُ تدفئةُ بيتنا على التدفئة الأرضيّة..

أعتقدُ أنَّنا يوماً ما سنذكرُ قصصَ الحربِ كمادةٍ للتَّندر ، سنضحكُ حتَّى البكاء ثُم نهمهم : كانت اجملُ أيامِ العمر على صُعوبتها !

الناسُ عندي كأصنافِ الشوكولاته المتعدِّدة شوكولاتةٌ حلوة ، أخرى مُرَّة ، شوكولاتةٌ بالنارنج الحلبيِّ ، وشوكولاتةٌ بنكهةِ الفلفل الحار، أخرى بالورد ، و تذوقها هو تعارفها ، فكنت سعيدةً بسلة الشوكولاتةِ الليليَّة لعائلة
تلتصقُ ببعضها برداً و نتناقلُ حكايا أيَّ شيء لنسلِّي نفسنا ، نعم ستكون أجملُ أيام العمر حتماً .

وكأن الله أراد أن يذيقني شوكولاتةٌ جديدة ..
حان سفري لامتحانِ الماجستير في بيروت ، و كتصرفٍ طبيعي تراسلتُ مع منسقةِ الجامعة – التي لا أعرفها إلا من خلال الإيميلات – لأسألها عن عنوان الجامعة التفصيلي و بالتالي أقرب فندقٍ للجامعة لأحجز فيه .

وصلني الرد: لا داعي لحجز الفندق ، تفضلي بالنزولِ في بيتي !
أرسلت: أشكركِ على البادرةِ اللطيفة لكن ستكون معي والدتي و صديقتي ، ولا نريدُ أن نثقلَ عليكم أو نحجزَ حريَّتكم في بيتكم ، سأكون حقاً مرتاحةً أكثر لو ساعدتيني أحجز في فندق .

الحقيقة أنَّني استغربت عرضها كونها لا تعرفني ، كل رسائلنا كانت رسميّةً جداً شأني شان أيّ طالب يراسل الجامعة ، هل تعرض استضافةَ كل طلابِ الجامعةِ مثلاً ؟!

ردَّت : لن يكون هناك أي حجز لحريَّتنا ، بيت أخي كبير و فيه غرفتا نوم ، و أخي و عائلته مسافرون !!

حاولت أن أتملَّص عبر الإيميلات لكن إصرارها كان حاسماً ، و حسَمَت الموضوع بأن أرسلَت عنوان البيتِ و رقم هاتفها لتستقبلنا فور وصولنا بيروت !
فقرَّرنا أنا و أمي و صديقتي أن نقبل ضيافتها ..

وصلنا بيروت بعد 15 ساعة من التَّوقفِ مراراً و تكراراً على حواجز متتاليةٍ للنظام ثم للمعارضة ، 15 ساعة من الحواجزِ و سائق الباص لم يملّ من تغييرِ الـ CD في مسجّل الباص الى ما يناسبُ الحاجز الذي نصلُ اليه ..
حاجزُ نظام : أغاني تهتف للرئيس
حاجزُ معارضة : قرآن أو موشحات دينية ..وهكذا
عندَ وصولنا أول حاجزٍ في بيروت بعد الحدود ، همست لماما ( هلق شو بيحط أغاني نجوى كرم مثلاً )

تواعدنا مع منسقةِ الجامعة عند مسجد سليم سلام في بيروت ، أعطتنا مواصفاتِ ملابسها و حجابها لنتعرفَ على بعضنا ، نزلنا من التاكسي ، تبادلنا السلام و توجهنا للبيتِ و أعطتنا المفتاح ثم جالت بنا في أطرافِ المنزل و ذهبت !
المنزل أنيق و جميل ، غرفتا نومٍ و صالوناً للضيوف و غرفة سفرة على ما أذكر ، صور أخيها و عروسَته تملأ المنزل ، بدأتُ أفتحُ حقيبتي لأعلِّق ملابسي في الخزانة ، فتحتُ الخزانة لأجدها مكتظةً بملابسٍ جديدةٍ عليها التيكيت !
في اليوم التالي خرجنا لنتعرف سويةً ، سألتها عن الملابس الجديدة ، أخبرتني أنها ملابس جَهَاز العروس ( زوجة أخيها ) و جزءٌ منها ملابس محجباتٍ لمحل تجاري تملكه والدتها .

جلستُ ليلاً مطولاً في بلكونة المنزل أشرب القهوة و أفكرُ …
كيفَ فعلتها ؟ مجنونة !
هي لا تعرفني ، لا تعرفُ عنِّي أيَّ شيء ، ليست حتى صديقتي في الفيس بوك ، لا تعرفُ شكلي إن أردنا أن نفترض أنَّها رأتني فارتاحت لي !
كيف تعطي غريباً منزلاً مكتظاً بالمذهَّباتِ المعتادة التي نُزيِّن بها رفوفنا ؟
ببضاعةٍ لمحلِّ والدتها و ملابسِ عروس لم تمسها ما زالت ورقتها عليها ؟
كيف تُعطي غريباً منزلاً مكتظاً بالأمانات؟
كيف؟! …كيف فعلتها ؟ كيف؟!!!

نعيش حياتنا نقيس الأمورَ بالورقةِ و القلم .. بحدود الأسبابِ و المنطق ، وعلى هذا الكوكب أقرانٌ لنا لا يأبهون بالأسباب .
لو أنَّنا فكرنا في تصرفها بمقياسِ عالم الأسباب ، لنصحناها قطعا ألا تفعل ..
نعم ..جميلٌ أن نثق بالناسِ و نكون كرماء ، لكن ليس حد أن أعطي غريباً من بلد آخر منزلي لتسعة أيام ، و فيه أغراض زوجة أخي و أمي و و و !
لكن أي منطقٍ أمام التعاملِ مع الله ؟

هي لم تتعامل معنا .. لم تستضفنا في منزلها … هي تعاملت مع الله ، استضافت الله في منزلها من خلالنا …
هي لم تقصد إكرامنا ، بل أرادت أن تستضيف الله و تكرمه و تعطيه مفتاح شقتها ،
و كنَّا مجرد الوسيلة لذلك ..

الحديث القدسي يخبرنا أن الله سبحانه يقول لابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ، قال : يا رب ، و كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت انه استطعمك عبدى فلان ، فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، و كذا الحديث النبوي الشريف يقول : أحب الناس إلى الله أنفعهم، ويقول :لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً.
و هذه الفتاة جسَّدت روح الحديث بفعلها ، جسدته بجمال …

المنطقُ يقول : حين تتعرفُ على الشخص ، تختبره ، أو تترك مجالاً للأيام أن تختبره فتريك منه خيراً أو لا ، ثم تثقُ به تدريجيًّا فتعطيه بحدودٍ أو بلا حدودٍ بحسب كرمك ، لكن على العكسِ تماماً لمى بدأت تعارفها بنا بأن تعطي و تثق ! ثم تعارفت على أسماءنا ! ثم تعارفنا وجهاً لوجه !! ثم تآخينا !!!

لو أنَّني أملك سعادةَ الأرض لزرعتها زهوراً في قلبها ذلك أنَّها أذاقتني جمالاً ، ليسَ الامرُ حول الإستضافة ، فالحمد لله أسرتي ميسورةٌ و كنت أستطيع حقيقة أن أنزل في فندق ..
لكنني لو نزلتُ في فندقٍ لما رأيت هذا الجمال ، لما دخلت البعد الآخر الموازي للمألوف و المعتاد في التعامل و التعارفِ بين الناس .
لو أنني نزلت في فندقٍ و تعرفت عليها روتينياً في الجامعة لكنت كمن زارَ حديقةً عاديةً جميلةً وهو أمر عادي جميل، لكن بفعلها هذا أنا كأليس دخلت غابةً ثم عبر حفرةً صغيرةً انتقلت الى عالمٍ موازي آخر ، كل شيء فيه ممكن ، قطةٌ تطير ، و أرنبٌ يتكلم و يحملُ ساعة ، و ملكة من أوراقِ الكوتشينة !

الله خلق الكون جميلاً و لأجل جمالهِ نسافر ، نطاردُ السحب و البحار و الشَّلالات و الظواهر الطبيعية.
الله خلق الكون جميلاً ، و في الإنسانِ الجميلِ يتجلَّى جمالُ الكون ..
أتحسب أنك جرمٌ صغير و فيك انطوى العالمُ الأكبر ؟
في الروحِ الجميلة موسيقى و أشجارٌ مثمرةٌ و خريفٌ يغريك بحزنه و ياسمين يَتبَختَر و فُلٌّ و عَنبَر و نجومٌ تلمع ، و شلالات و نيازك و و و ..
في براءة الثقة بالآخر فراشات نادرة بهية الألوان و في كرم الكريم شجرة زيتون تنتج زيتونا و زيتا و جمالا …

فيك انطوى العالمُ الأكبر .. فيك انطوى الجمالُ الأكبر
في الإنسانِ الجميل .. ملخصُ جمال الكون .
و الآن أنشر جمالك ….

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top