لا أعرف لِمَ قفزت إلى ذهني ذكرى بعيدة من رواسب ماض ولى يوم كنت تلميذا بالإعدادي. اقترح أستاذ الاجتماعيات أن نلعب لعبة “كرسي الاعتراف. مؤدى اللعبة أن يجلس تلميذ على كرسي الأستاذ ويسأله التلاميذ عن ما شاءت لهم مخيلاتهم الصغيرة. ولأنني كنت تلميذا نجيبا، فقد قرر الأستاذ أن أكون أول “المعترفين”.
أقسمت أن أقول الحق ولا شيء غير الحق كما تقتضي أعراف اللعبة. ولم أدر، ساعتها، أي “حقد طفولي” دعا أحد زملائي في الفصل أن يسألني السؤال الصاعقة: ألا تشعر بالنقص لأنك معاق وسط تلاميذ أصحاء؟ عم صمت رهيب حجرة الدرس قبل أن أبتلع ريقي وأجيب: نعم، كنت سأشعر بالنقص لو كنت في حلبة ملاكمة. ثوان قليلة كانت تكفي ليسقطني الخصم أرضا. لكن هذه الإعدادية حلبة للعلم، وعضلات عقلي قوية بما يكفي لأصمد إلى آخر نفس!
أعترف أنها كانت المرة الأولى التي أدرك فيها أنني معاق حقا. ومن ألطاف الله البهية أنني أيقنت مبكرا أن الناس يعرفون عن إعاقتي أكثر مما أعرف ويرسمون الحدود لحركاتي “المتثاقلة” في أَضيق نطاق. وهي التمثلات التي أنفقت أعواما أحاول فهمها، قبل أن ألفظها لفظ النواة وأختار “حلبة” أخرى غير تلك التي تقتضي العضلات المفتولة والحركات السريعة الواثبة.
ثم مضت الأعوام سريعة لا تلوي على شيء وشاء الله أن أنتج برامج إذاعية حاورت فيها معاقين كثيرين أبهرني صمودهم الأسطوري في وجه تحديات الحياة ومتاعبها. وعلمت، بعدئذ، ماذا يعني أن تكون معاقا يسمونك من ذوي الاحتياجات الخاصة، تطييبا للخواطر، لا تمييزا إيجابيا ينعكس في حياتك ولوجا إلى الصحة والتعليم والشغل.
وإني لأجزم أن التمثلات الخاطئة لمجتمع الأصحاء عن المعاقين ليست سوى واجهة العوائق التي تحول بين المعاقين وبين الانخراط الفاعل في الحياة. بل إنها تكاد تكون الشجرة التي تخفي غابة العوائق والحواجز والمطبات. دعك من الحماية القانونية للمعاقين والرعاية الاجتماعية والصحية لهم والمقاربة الحقوقية لقضاياهم، فإنما كل ذلك ترف تهفو إليه قلوب المعاقين دون أن يبلغوه.
واليوم، يعود سيل الأسئلة الجارف يحمل في طريقه الأمنيات الجميلة نحو مصب التشريع. وعلى الرغم من أن دستور 2011 كان متقدما للغاية في حمايته لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وحظره كل أشكال التمييز على أساس الإعاقة، فإن القوانين التي يفترض أنها شرعت لتيسير أسباب عيش المعاقين المغاربة لم تأت سوى بعبارات فضفاضة ومبادئ عامة تحتاج إلى الكثير من التفصيل وتدقيق الصياغة القانونية.
ثم دعك من ملاءمة التشريعات الوطنية مع روح ومنطوق الاتفاقيات الدولية التي تحمي المعاقين، فإن ذلك الطريق يبدو طويلا ممتدا ومتعرجا. ولا يكاد المتتبع يسمع للوزارة المعنية همسا في هذا الشأن، ولا للحكومة نفسها إذا افترضنا أن قضية الإعاقة عابرة للقطاعات وتقتضي بلورة رؤية حكومية موحدة يشرف عليها رئيس الحكومة نفسه.
إنني أقدر أن تدبير الحكومة للشأن العام ليس مهمة يسيرة وأن ثمة أولويات ملحة وملفات ضخمة وإصلاحات تنتظر التفعيل وهموما عريضة ومشاكل بلا حصر على مكتب رئاسة الحكومة، لكنني أعرف أيضا أن قضية الإعاقة في بلدنا تهم ربع الأسر المغربية وتعني أزيد من 5 في المئة من المغاربة. وهي قبل المقاربة الحقوقية، وقبل القوانين الحامية الراعية، قضية إنسانية صرفة لا تحتمل التأجيل و ولا التماطل ولا التوظيف الانتخابي ولا النظرة السياسوية الضيقة.
في زمن المدرسة الابتدائية، الجميل برغم كل شيء، قرأنا في “التلاوة” نصا يحمل عنوان “الصبي الأعرج”. بهذه الفجاجة صيغ العنوان. ما أثارني في النص وأنا ابن تسع أو أقل، الصورة (التوضيحية) للنص: صبي تلتوي رجله خلف جسده ويتكئ على عصا خشبية .. ! لا تزال الصورة عالقة في ذهني مثلما لا أزال أذكر ذلك الصباح حين دخل المعلم حجرة الدرس وناداني بالاسم ثم ناولني عصا خشبية قال إنها ستعينني على المشي..
لم يكن لدي ساعتها أي آلة معينة على التنقل.. أدع لحضراتكم كل الوقت لتتخيلوا كيف كنت أغدو وأروح طوال سنوات الدرس..
ومثلي كان آلاف ولا يزالون.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.