من هم أهل السنة ؟ 3 مؤتمرات تُعقد للإجابة عن السؤال والأزهر يغير رأيه

الزيارة التي قام بها الرئيس الشيشاني، رمضان قديروف، إلى العاصمة السعودية الرياض هذا الأسبوع، حظيت باهتمام لم يكن متوقعاً لو تمت في وقت آخر، فالشيشان لم تكن أبداً من الدول المؤثرة في الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي حتى وقعت -عمداً أو سهواً- قبل عدة أسابيع في مركز الحرب الباردة السنية-السنية، وهي الحرب التي أخذت شكل مؤتمرات تسعى لتفصيل تعريف للمذهب يقرب فئات ويستبعد أخرى.

الهدف من زيارة قديروف كان الاعتذار للرياض عن استبعاد سلفييها، من أتباع المذهب الوهابي، من تعريف السُّنة، الأمر الذي كان أغضب السعوديين، وهو هذا المؤتمر الذي أعقبته مؤتمرات أخرى تهدف إلى استعادة الأرض التي سحبتها غروزني، فإلى ماذا انتهت تلك المؤتمرات وما القواسم المشتركة بينها وما الذي غاب عنها؟

قبل أن نبدأ بالإجابة، دعنا نسجل ملخصاً لهذه المؤتمرات:

١- مؤتمر الشيشان: نظمته في غروزني أواخر أغسطس/آب الماضي مؤسسة صوفية مقرها في أبوظبي، أسسها الداعية اليمني الحبيب علي الجفري وشاركه الحضور شيخ الأزهر ومفتيا مصر والنظام السوري. وحمل المؤتمر عنوان “من هم أهل السنة والجماعة؟.. بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقاداً وفقهاًَ وسلوكاً، وأثر الانحراف عنه على الواقع” وكان أبرز ما أسفر عنه -كما جاء بالصحف- أنه لم يعتبر السلفية والوهابية والإخوان من أهل السنة والجماعة.

وبحسب بيان نشرته مؤسسة “طابة” التي نظمت المؤتمر علي موقعها الإلكتروني، كان واضحا أن المؤتمر أخذ موقفا مسبقا جاء لتدعيمه، فقد قال إن انعقاده جاء “في وقت تشتد فيه فتن كثيرة تعصف بالأمّة وفي ظل محاولات اختطاف لقب (أهل السنة والجماعة)، من طوائف من خوارج العصر والمارقين والعابثين بالشريعة المطهّرة الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي”.

الدعاة السعوديون من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب شنوا هجوماً على المؤتمر الذي استثنى -وبمشاركة الأزهر- “السلفية السعودية” من تعريف “أهل السنة والجماعة”.

٢- مؤتمر الكويت: بعد ذلك بشهرين ونصف شهدت العاصمة الكويتية مؤتمرا نظمته هذه المرة ….. وشارك فيه علماء من 25 دولة عربية وإسلامية وكما كان متوقعا فقد رفضوا نتائج مؤتمر الشيشان، وقاموا بتعريف أهل السنة بأنهم “هم المتبِعون للكتاب والسنة، وأن رؤوسهم هم الصحابة ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ومن جاء بعدهم وسار على منهجهم” .

وجاء أيضاً في البيان الختامي -الذي قرأه عبد العزيز بن محمد السعيد الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- أن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب عتيق، لم تكن نشأته على يد الإمام أحمد (بن حنبل) ولا ابن تيمية ولا (الإمام) محمد بن عبد الوهاب؛ بل هو مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم.

مؤتمر قطر:

نظمت كلية الشريعة بجامعة قطر مؤتمراً بعنوان “الإرهاب وسبل معالجته” لم يتناول تعريف أهل السنة، وشارك فيه أكاديميون وباحثون إلى جانب ناشطين، منهم سلفيون وإخوان، من أكثر من 17 دولة .

وأشار الشيخ عبد الفتاح مورو، نائب رئيس مجلس النواب التونسي، في المؤتمر، إلى “دور العلماء والمفكرين والمؤسسات التعليمية في بناء عقول الأمة من خلال المناهج الدراسية، وتعزيز حضورها، وإزالة غربتها، وتغيير واقعها، لتؤدي الأمانة على أكمل وجه”. كما أكد “مورو”، وهو نائب رئيس حركة النهضة، “أهمية التعليم والتربية في بناء الإنسان وتحقيق التنمية والبناء الحضاري للأمة”.

وحذر نائب رئيس البرلمان التونسي، من أن “الإرهاب يستهدف كيان الأمة ووجودها ودينها”، معتبراً أنه (الإرهاب) “نتيجة من نتائج تعطيل الفكر والعقل والقفز على الواقع”، مؤكداً أن “الدين الإسلامي دين العدل والتسامح والسلام والإنسانية والحضارة وليس دين إرهاب”.

المشترك والمختلف بين المؤتمرات الثلاثة:

1 – اتفقت المؤتمرات الثلاثة على ضرورة مواجهة الإرهاب والتطرف، لكن لم يقدم أي منها تعريفاً محدداً للإرهاب.

2 – اختلفت المؤتمرات في الموقف من الثورات العربية، فبينما اعتبرها مؤتمر الشيشان فتنة وتطرفاً، تجاهلها مؤتمر الكويت، وشارك رموز من الثورات العربية في مؤتمر قطر.

3 – اختلف مؤتمر الشيشان مع مؤتمر الكويت في تعريف أهل السنة ، فبينما اعتبرهم مؤتمر الشيشان “الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد والمذاهب الأربعة”، نافياً بذلك الطوائف الأخرى التي اعتبر منها السلفيين والإخوان، اعتبر مؤتمر الكويت أن أهل السنة هم المتبعون للكتاب والسنة، وأن رؤوسهم هم الصحابة ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ومن جاء بعدهم وسار على منهجهم. ولم يتناول مؤتمر قطر هذا المفهوم، لكنه أشار إلى الوسطية الإسلامية التي تواجه الإرهاب والتطرف، وأكد دور المنظمات الإسلامية ووسائل التواصل الاجتماعي في مواجهة الإرهاب الذي ينمو في ظل الاستبداد السياسي.

4 – شارك في مؤتمر غروزني شيخ الأزهر ومفتي مصر وسوريا، ولم يدعَ للمؤتمر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهيئة كبار العلماء السعودية ومنظمة التعاون الإسلامي، ولم يُدع كذلك أي من التيارات السياسية الإسلامية؛ مثل الإخوان والأحزاب الإسلامية والإسلاميين الأتراك، وشارك في مؤتمر الكويت علماء رسميون وشخصيات سلفية، بينما حضر الأكاديميون والباحثون إلى جانب تمثيل التيارات الإسلامية الحركية.

الأزهر والشيشان.. ماذا تغير؟

ورغم مشاركته في مؤتمر الشيشان، فإن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب عاد وغيّر موقفه يوم الجمعة الماضي، قائلاً إن مؤتمر غروزني الخاص بتعريف من هم “أهل السنة” “استُغل من قبل المتربصين بالأزهر”، مؤكداً أنه غير مسؤول عن بيان المؤتمر الختامي الذي استثنى السلفية من قائمة المشمولين بصفة “أهل السنة”، ورفض اتهامه بـ”إقصاء طائفة دون أخرى”، مشدداً على أنه وفقاً لـ”منهج التعليم بالأزهر الذي تربى عليه” فإن “السلفيين من جملة أهل السنة والجماعة”، وهو ما يعتبر خلاف موقفه السابق الذي أعلنه في المؤتمر.

وأكد الرئيس الشيشاني، عبر تصريحات رسمية، قوة علاقة بلاده مع السعودية، وأن المؤتمر الذي أثار الجدل كان موجهاً ضد من يدعون كذباً أنهم “سلفيون”، ويستغلون شعارات أهل السُّنة. وقال: “لسنا ضد السلفيين الحقيقيين الذين يقفون بثبات على درب السلف الصالح”، مؤكداً عمق العلاقة مع السعودية وعدم تأثرها بأي تغييرات.

رؤية أخرى

في مقاله بعنوان “هذا الجدل حول أهل السنة والجماعة“، علق المؤرخ والأكاديمي بشير نافع على المؤتمر قائلاً: “لا يختلف خطاب مؤتمر غروزني، من قريب أو بعيد، عن الخطاب الداعشي، أو خطاب جماعات التكفير والهجرة، الصغيرة والهامشية، التي سبق ظهورها، في سبعينات القرن الماضي، ظهور داعش وأخواتها. كلاهما يعتقد أن الطريق إلى الله ضيق وصغير ولا يضم أحداً سواهما، وأن الخلاص الإنساني محصور بحدود مقولات ومعتقدات فئة طرفية من المسلمين، الذين يبدون أقرب إلى المعتوهين والمرضى منهم إلى أهل العلم والتقوى. وكلاهما يحاول أن يجعل من أهل السنة والجماعة، الذين هم عموم جماعة المسلمين، خيمة الإسلام الكبرى وتياره الواسع، مترامي الأطراف، طائفة هامشية. وكلاهما، فوق ذلك، يحاول النبش في تواريخ ومواريث مضت، لم يعد لها من أثر كبير في حياة عموم المسلمين، لتسويغ موقفه، الذي هو في الواقع موقف أقلية ضئيلة، لا تكترث لها الأغلبية العظمى من المسلمين المعاصرين، ولا تثق بها، ولا بدوافعها وعلاقاتها السياسية المثيرة للشكوك. ولكن المسألة لا تقتصر على هذا، فليس من الغريب أن يجد حكام، يمتلكون مقدرات مالية هائلة، معممين، أو أكاديميين، أو كتاباً، يحملون رايتهم ويخوضون معاركهم”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top