ما زالت قصص الفتيات تتردد في أذني عن الفندق بـ”كاتمندو” وأنا أحاول باستماتةٍ أن أنام. بعد ساعتين، بدأت أغطّ في النوم أخيراً، سمعت طرقات على باب غرفتي، تعجبت: مَن يا ترى سيزورني في نصف الليل! فتحت الباب ولم أجد أحداً، قلت لنفسي: لعله شخص أخطأ في الغرفة. عدت للسرير وما إن جلست حتى سمعت الطَّرق على الباب مرة أخرى! وكأنها صادرة من طفل صغير، فتحت الباب لم أجد أحداً.
بدأ الخوف يدبّ في نفسي، ثم فجأة سمعت صوت أطفال تجري في الردهة بالخارج وتصرخ وتضحك، فاطمأنت نفسي؛ بالتأكيد هم من طرقوا على الباب. لكن، شيء ما دفعني لأن أتصل بـ”نسرين” الأردنية زميلتي في غرفتها. ردّت عليّ وصوتها مرتعد أكثر مني، قلت لها: “ماذا حدث؟!” فطلبت مني الانضمام إليها في غرفتها والنوم عندها، وافقت طبعاً؛ أي شيء أفضل من وجودي وحدي في هذا الفندق العجيب.
طرقت الباب، فسألتني من الداخل بصوت عالٍ، رددت: “أنا”، هرعتْ إلى الباب وفتحتْه ثم أغلقتْه، شعرتُ بيدها ترتعش، فسألتها: “ماذا حدث؟”، فقالت لي إنه حدث معها مثلما حدث معي، فقاطعتْها بأنني سمعت الأطفال تجري وأنهم بالتأكيد مَن طرقوا الأبواب، ابتسمتْ وقالت لي: “أنت لم تسمعي القصة بعد! سأرويها لكي كما رُويت لي: هذا الفندق كان سجناً قديماً وكانوا يسجنون فيه السيدات والأطفال، وقد تم إعدام الأطفال بسبب وباء انتشر هنا، منذ ذلك الوقت والناس تسمع صوت الأطفال ولا يرونهم!”.
لم أصدق القصة، ولكن فعلاً: أيّ أطفال هؤلاء المستيقظين حتى منتصف الليل وأين آباؤهم؟! ازدادت حركة الأطفال بالخارج، وازداد خوفي معهم، اقترحت عليها أن نترك الأنوار والتلفاز يعمل حتى نستطيع النوم، لاحظتُ أنها لم تُزِل المكياج عن وجهها، كان شكل رموشها لافتاً للنظر من كثافتهم، فقلت لها: “لماذا لم تغسلي وجهك وتتخلصي من آثار المكياج؟”، جاوبتني بأن الأفضل إبقاء الماسكارا كي تظل رومشها كثيفة، كانت تتحايل بأفكار غريبة قبل اختراع الرموش الاصطناعية التي يتم لصقها بسهولة، رغم أن نسرين كانت تتميز بجمال وجهها، ولكن دائماً الفتيات يبحثن عن الكمال.
استيقظت على صوت نسرين وهي تحدّث صديقها في الهاتف، كم هو جميل الحب! سألتها عن صديقها فقالت لي إنه طيار قطري زميل لنا وإنها تحبه كثيراً وإنه ينتوي الزواج بها، تمنيت لها الخير واستأذنتها وعدت لغرفتي. تجهزت وغادرت غرفتي، وجدت مساعد الطيار في بهو الفندق جالساً كأنه منتظر شخصاً ما، تجاهلته وخرجت أستكشف خارج الفندق. فكرت في الذهاب لشارع “التامل” سيراً على الأقدام ولكني شعرت بأنني سأضلّ الطريق.
استوقفت تاكسي لنتوجه لشارع “التامل” ولكن توقفنا في مكان ما طويلاً ورغم أنه لا توجد إشارة مرور، سألت السائق عن سبب العطلة، فأجابني بأن البقرة تقف في الطريق وأنه ممنوع أن يلمسها أحد، فهي كائن مقدس عندهم، لذا عليهم الانتظار حتى تتحرك بمشيئتها، حتى لو انتظرنا ساعة كاملة وهذا ما حدث. بعد أن قررت البقرة أن تتحرك، عادت حركة السير ووصلت للشارع أخيراً.
بدأت أشعر بالجوع فأنا لم أفطر بعد، لكني تذكرت المطعم الإيطالي الذي رأيته في آخر الشارع فقررت أن أتسلم أفلامي أولاً، ثم دلفتُ أحد محلات الإكسسوار البديعة، كلها صنع يدوي وأحجار كريمة رائعة الجمال، ابتعت سلسلة وحلقاً، ثم توجهت للمطعم الإيطالي، لم تكن الفرقة بدأت بعد بالعزف، لكني استمتعت بالجلسة في المطعم، حيث التهمت خبز الفوكاشيا الإيطالي المعروف وشوربة الطماطم بنَهَمٍ، واكتفيت بهم.
انطلقت للعودة إلى الفندق، حيث وجدت “بريا” باللوبي في انتظاري، سعدت بوجودها، دعتني لحضور حفل ابنة عمها وأحضرت معها ساري لي، قالت لي: “سأمرّ عليكي بعد ساعة تكونين استعددت وارتديت الساري، أعتقد أنه مقاسك نفسه”. وقتها، كنت ما زلت أحتفظ برشاقتي وأعتقد أنني كنت أرتدي مقاس 8 الذي لن أصل له ثانية سوى في الأحلام.
فرحت جداً بدعوتها لي، واهتمامها بي، صعدت الغرفة وبدأت في الاستعداد، كان الساري يتكون من 3 قطع، قطعة للجزء العلوي وجيبة حرير وشال، لم أستطع لفَّ الشال كما يضعونه فانتظرت قدوم “بريا” وطلبت منها مساعدتي، صعدت غرفتي وساعدتني في لف الشال الذي بدا لي جميلاً جداً. انطلقنا للفرح في منزل عمها، خارج النزل وضعوا طاولات متجاورة وعليها أصناف مختلفة من الأطباق والحلويات، كما كانت الزينة المعلقة خارج المنزل تشبه كثيراً الأفراح التي تقام في المناطق الشعبية.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.