ورقة وقلم وكتاب

جملة من ثلاث كلمات، ورقة وقلم وكتاب، تختصر فيها جوهر المعرفة وشكل حياة، ثالوث مقدس وأضلاعه الثلاثة مرتبط بعضها ببعض، فحيثما وجدت الورقة والقلم ولدت الكلمة، وعندما تبلور الكتاب كوعاء حديث للمعرفة فقد خُلق من أب وأم هما الورقة والقلم.

وارتباط القلم والأوراق أوثق من ارتباطهما معاً بالكتاب، فمن يود التخطيط ليومه يدون مهامه على الورق، ومن يكتب قائمة احتياجاته، من يرسم.. من يصرخ.. من يحلم، لا بديل له عن أن يختط مشاعره وأسراره وأفكاره على صفحة بيضاء تحمل جزءاً منه.

كما أن من يقرأ كثيراً ويلازمه الكتاب في حياته ملازمة الصديق الوفي، لا بد له يوماً ما أن يفيض ما بعقله وروحه فينسكب على الأوراق؛ ليعبر عما يعتريه من شوق أو وجل أو فرح، عن فكرة أو عبرة أو ذكرى.. ستُختزل ذاتك لتتشكّل في حروف، فكلمات، فجُمّل.. ستبقى بعد رحيلك خالدة.. كما جاء في الحديث الشريف “علم ينُتفع به”.. فستذهب أنت وتبقى الكلمة النافعة.

إن الورقة والقلم والكتاب بصورها وأشكالها المتعددة عبر التاريخ الإنساني (البوصة، الريشة، الحبر، الجلد، الكاغد، البردي، الحجر، العظم..) قد تلازمت بشكل وثيق بالإنسان منذ أن قرر أن يصنع تاريخه، أو يسجل أحداث حياته، أو يدون تفاصيله اليومية بكل ما فيها من أحداث مألوفة أو فارقة.

ولقد خلق الله بني آدم وكرمهم بالعقل عن المخلوقات الأخرى، فكان العقل القوة المحركة الأساسية للإنسان، وموضع الحكمة وموطن الأفكار واتخاذ القرارات، ألا يستحق عقلك -مايسترو حياتك- العناية به؟! أن ترويه بالمعارف بألوانها أدباً وفناً وعلماً، أن تدعه يتنفس ولا يركد، ولا تتركه هشاً فارغاً، تستحوذ عليه الصراعات اليومية التافهة، فيموت ذهنياً قبل أن يدفن بسنوات!

ولا أخفي سراً، فثقافة قراءة الكتب في الأماكن العامة تنبئ المجتمع المحيط برسائل غالبها ذو مضمون سلبي، فلا بد لمن يقرأ كتاباً -وأقصد هنا الكتاب وليس الرواية- بالضرورة أن يكون في طريقه لأداء امتحان، ويمنح نفسه الفرصة الأخيرة للنجاح، فهذه هي الصورة المتأصلة في المجتمع، أو أن القارئ شخص انطوائي، يُصادق الكتب أكثر من البشر، فقد يقبل منك البعض أن تكون صاخباً أو وقحاً، لكن أن تكون صامتاً تقرأ، أو تفكر في أمر ما وتضعه بين دفتي الأوراق، فستكون محط العيون ومادة للهمس.

لن نذهب بعيداً فقد عاصرتُ كثيراً من هذه المواقف، فتسألني صديقتي ونحن على شاطئ البحر في قيظ الصيف، وأقدامنا تغص معاً في الرمال بتعجب مستفهمة عما أفعله بورقة وقلم ونحن نستجم فوق الرمال الحارة! فالعيب أن أضع في حقيبتي ورقة وقلماً أدون فيها أفكاري أو خواطري أو ملاحظاتي أو حتى قائمة مشترياتي!

وتتبرع سيدة جالسة بجواري في عيادة طبيب بدعوات صادقة بالتوفيق والفلاح، عندما وجدت بين يدي كتاباً أطالعه؛ لأنها تعتقد أنني أستذكر درساً ما، ماذا أقول لها؟ هل أخبرها أنني أنهيت آخر مراحل التعليم العالي في بلادنا “شهادة الدكتوراه”، فتصعق السيدة وتنظر لي بشك مبين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top