“عايزين عيش.. حرام عليكم.. سنتين وأنا بحاول أستخرج بطاقة ومش عارف!”.. صرخة أطلقها الرجل الخمسيني محمد فهمي، وجدت طريقها إلى آذان الموجودين داخل ميدان المنشية بمحافظة الإسكندرية رغم الأصوات المرتفعة لـ”آلات تنبيه” عشرات السيارات التي توقفت مع توقف حركة المرور أمام عشرات المتظاهرين ضد قرار إلغاء البطاقة الذهبية لرغيف العيش.
“اهدى شوية علشان تشرح للباشا تفاصيل الأزمة”.. كانت تلك كلمات المحيطين بـ”عم محمد” التي أوقفت دموع غضبه، ليتحدث بعدها مع مراسل “عربي بوست” وحبّات العرق تنحدر على تجاعيد وجهه، قائلاً: “الأزمة إننا مش هنقدر نأخد عيش (خبز) من الأفران بالسعر المدعوم، وأنا مش معايا بطاقة تموين وكنا بنشتري عيش من البطاقة الذهبية، وأنا بحاول أطلع بطاقة التموين منذ عامين ولم أستطع ذلك!”.
هكذا، عبر “عم محمد” عن حالة مئات المصريين الذين انطلقوا في موجة الغضب التي اندلعت صباح الثلاثاء 7 مارس/آذار 2017 أمام أفران الخبز في العديد من ميادين 5 محافظات مصرية، إثر تطبيقها قرار وزير التموين المصري، الدكتور علي المصيلحي، بتخفيض عدد الأرغفة على الكروت الذهبية الموجودة لدى أصحاب المخابز بحد أقصى 500 رغيف للكارت الواحد، بدلاً من 4 آلاف رغيف كحد أقصى لتلك البطاقات يومياً، مرجعاً هذا القرار إلى ما سماه “تلاعب” بعض أصحاب المخابز والقيام بعمليات صرف خبز وهمية.
القرار سوف يؤدي إلى تخفيض كبير في حصة المواطنين الذين لا يمتلكون بطاقات تموين أو الذين يمتلكون بطاقات ورقية وليست إلكترونية (ذكية)، في ظل التوقف عن إصدار بطاقات ذكية جديدة.
قطع الطرق تحت شعار “انتفاضة التموين”
ومع دقات الساعة السابعة صباح الثلاثاء 7 مارس 2017، بدأت بوادر الأزمة تظهر في الأفق، وذلك مع بدء أصحاب المخابز تطبيق قرار الوزير، وصرف كميات قليلة جداً لا تتخطى الرغيفين لمن لا يملكون بطاقة التموين الذكية المخصصة لصرف العيش المدعم.
وقال خالد الأسيوطي صاحب أحد مخابز العيش في الوراق: “إننا أبلغنا المواطنين الغاضبين أنهم يستطيعون الحصول على رغيف العيش بالسعر الحر، وهو يتراوح ما بين 50 قرشاً (نحو 3 سنتات) إلى 75 قرشاً للرغيف الواحد وفقاً لحجم الرغيف.
ولم تمر إلا ساعات قليلة على بدء تنفيذ القرار حتى سادت حالة من الاستياء والغضب الشديد لدى الآف المواطنين في عدد كبير من محافظات مصر، بدأت من محافظة كفر الشيخ (شمال البلاد) والتي كانت شهدت مظاهرات لسبب مشابه قرب نهاية عهد الرئيس المعزول محمد حسني مبارك.
ووفقاً لوسائل الإعلام المصرية، فقد قام العديد من المواطنين بقطع الطرق الرئيسية أمام إدارات التموين، اعتراضاً منهم على قرار وزير التموين، وكانت أبرز الأحداث الساخنة بمحافظة الإسكندرية، حيث قطع الأهالي الطرق الرئيسية، وحاولت قوات الأمن فض المظاهرات بالقوة، ما نتج عنه اشتباكات بين الشرطة والمواطنين.
وقال مواطنون شاركوا في المظاهرات لـ”عربي بوست”، إن عدداً من المحتجين بتحطيم واجهات عدد كبير من مكاتب التموين بالعجمي والعصافرة والمعهد الديني بالإسكندرية، ثاني كبرى مدن البلاد بعد القاهرة.
ووقعت حالات تظاهر متشابهة في عدد من محافظات مصر؛ إذ قام أهالي الوراق بمحافظة الجيزة، المتاخمة للقاهرة، بقطع طريق الكورنيش الرئيسي (وسط القاهرة)، مما تسبب في حالة شلل مروري بمناطق وسط البلد (قلب العاصمة)، وكذلك كان الحال في محافظات المنيا وكفر الشيخ والدقهلية وعدد من مناطق القاهرة، وسط هتافات “عايزين ناكل”.
توزيع الخبز مجاناً
ووفقاً لما صرحت به مصادر أمنية بوزارة الداخلية المصرية، فإن الأوامر التي صدرت من الوزارة كانت بعدم التعرض للمتظاهرين، واستخدام سياسة ضبط النفس، إلا أن هناك فيديوهات نشرها نشطاء التواصل الاجتماعي تحدث فيها شهود عيان عن الاعتداء على المتظاهرين ولم يتسنّ لـ”عربي بوست” التأكد منها.
مخبرين بالداخلية يعتدون على المواطنين وسيدة تفقد الوعي من الضرب
والأهالي يرفضون فتح الطريق احتجاجا على عدم صرف الخبز#انتفاضة_التموين pic.twitter.com/NuAyn1SbJC— ⚡ نـــور الـحــق ⚡ (@Noonegy) March 7, 2017
ووقعت مشادات بين الشرطة ومئات المواطنين بمحافظة الإسكندرية الساحلية عندما انتقل رجال الأمن لفتح الطريق أمام السيارات وهو ما رفضه المحتجون، ما أدى إلى مشادة كذلك بين سائق أتوبيس نقل عام (حكومي) من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى.
وقالت مصادر من محافظة الإسكندرية لـ”عربي بوست”، إن الأجهزة الأمنية لجأت إلى عدد من الحيل لفض المظاهرات، كان منها إطلاق إشاعة أن وزير التموين تراجع عن القرار، وأنه بدءاً من الغد سوف يتم بيع الخبز بالكميات القديمة بالبطاقة الذهبية، فيما نشرت صفحة بفيسبوك تدعى “أخبار الإسكندرية” صوراً أظهرت قيام سيارات الشرطة بتوزيع الخبز مجاناً على المواطنين.
ونشرت الصفحة صوراً لرجال شرطة يحملون أرغفة خبز، قالت إنهم يوزعونها مجاناً لتهدئة المواطنين الغاضبين.
وعلق أحد المتابعين وهو يستنكر ساخراً: “كيف تدخل الشرطة في مجال عمل الجيش!”، في إشارة إلى الانتقادات الموجهة للجيش المصري بالتوسع في الأنشطة المدنية.
هاشتاغ “انتفاضة التموين” الأول
ولم تمر إلا ساعات قليلة حتى انتشرت أخبار التجمهر وقطع الطريق، وانتشرت موجة من الغضب، في أوصال وسائل التواصل الاجتماعي مع انتشار هاشتاغ “انتفاضة التموين”، وهو الهاشتاغ الذي دشنه عدد من رواد موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وخلال ساعات أصبح هو الهاشتاغ رقم واحد في الموقع العالمي.
وتفاعل عدد من النشطاء مع تلك المظاهرات، وعبر عدد من الشخصيات العامة عن دعمهم لحق المواطن في الحصول على رغيف العيش المدعم.
فأعلن الكاتب الصحفي وائل قنديل، المقيم خارج مصر، عن تضامنه مع التظاهرات، وقال في تدوينة عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: “ادعموا المواطن البسيط في انتفاضته دفاعاً عن خبز يومه، ولا تلتفتوا إلى هذيان الذين باعوا قمح يناير/كانون الأول لمافيا يونيو/حزيران، ثم عادوا يعلّمون الناس القيم الثورية”.
فيما علق الناشط السياسي شادي الغزالي حرب، على تلك التظاهرات وقال في تغريدة عبر حسابه الرسمي بموقع التغريدات القصيرة “تويتر”: “مش ناقص دلوقتي غير إيجاد البديل الواقعي والمقنع للناس عشان المشهد يكتمل، والبديل مش شخص، البديل سياسات واضحة وفريق ينفذها”.
مش ناقص دلوقتي غير إيجاد البديل الواقعي والمقنع للناس عشان المشهد يكتمل
والبديل مش شخص
البديل سياسات واضحة وفريق ينفذها#انتفاضه_التموين— Shady ElGhazaly Harb (@shadygh) March 7, 2017
جمال عيد الناشط الحقوقي المعروف، شارك في التدوين بالهاشتاغ وكتب على صفحته الشخصية بـ”تويتر”: “برلمان انتفض لكشف شراء 3 سيارات بـ18 مليون جنيه.. وناس انتفضت عشان مش لاقية العيش!.. اتقوا غضب الفقراء”.
برلمان انتفض لكشف شراء 3سيارات بـ18مليون جنيه
وناس انتفضت عشان مش لاقية العيش !!#انتفاضة_التموين ،
اتقوا غضب الفقراء— Gamal Eid (@gamaleid) March 7, 2017
هل المظاهرات مدبَّرة؟
انطلاق الموجة بعدة محافظات مصرية في توقيت واحد، أثار الكثير من علامات الاستفهام حول الجهة التي وقفت خلف تلك المظاهرات.
وعلقت أسماء فتحي، الصحفية المصرية المتخصصة بملف التموين، على هذا الكلام، قائلةً إن جميع الوقفات التي حدثت الثلاثاء 7 مارس 2017 كانت عشوائية، وغير مرتب لها، ولا توجد أي جهة تقف خلفها.
وقالت فتحي، في تصريحات خاصة لـ”عربي بوست” عبر الهاتف، إن الشرارة الأولى التي انطلقت صباح الثلاثاء، كانت مع رفض أصحاب المخابز بيع الخبز بالسعر المدعم للعديد من المواطنين الذين اعتادوا الاستفادة بالبطاقة الذهبية؛ وذلك لأن بينهم مغتربين، أو من الذين فقدوا بطاقاتهم، أو الذين لم يحصلوا عليها حتى الآن.
وروت الصحفية المتخصصة بملف التموين، ما شهدته بنفسها أمام أحد المخابز بمنطقة إمبابة، وذلك عندما ذهبت لتغطية الحدث، فوجدت في البداية مجموعة قليلة من هؤلاء المتضررين، وبعد أقل من ساعة من وجودها أمام المخبز وصل العدد إلى أكثر من 150 شخصاً.
“ومع إصرار أصحاب المخابز على تنفيذ القرار وتوضيح أن الأمر ليس بيدهم، بدأت الأصوات الغاضبة تتعالى واشتعلت موجة الغضب في الشارع، وهذا المشهد تطابق مع العديد من الزملاء الذين تواصلت معهم في المحافظات المختلفة التي اندلعت بها تلك الاحتجاجات”، تقول أسماء.
الوزير يلقي بالمسؤولية على أصحاب المخابز
ومع حدة المظاهرات، خرج الدكتور علي مصيلحي، وزير التموين، الذي كان وزيراً في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، في مؤتمر صحفي بمقر الوزارة عقب اجتماعه مع رئيس الوزراء المصري لمناقشة الأزمة، وأعلن تمسكه بالقرار الذي اتخذه، محملاً المسؤولية عن الأزمة ما سماه “فساد” أصحاب المخابز في استخدام الكارت الذهبي.
وقال مصيلحي خلال المؤتمر، إن تحليل البيانات من الشركات العاملة في الدعم التمويني، كشف أن ما يُصرف للمواطنين من خلال الكارت الذهبي وصل لـ20% من الاستهلاك الكلي في بعض المحافظات و15% بمحافظات أخرى.
ودافع عن سياسته مؤكداً أن هدفها ميكنة منظومة بيع الخبز وفتح المجال أمام المواطن ليأخذ من أي مخبز.
وفي محاولة لاحتواء موجة الغضب بمحافظتي الإسكندرية والجيزة، وهما أكثر المناطق التي شهدت حدة في المظاهرات، قال وزير التموين والتجارة الداخلية، إنه تمت زيادة الحد الأدنى لعدد الخبز بالكروت الذهبية لتكون أكثر من 500 رغيف للكارت في محافظتي الجيزة والإسكندرية (أي أكثر من الحد الذي قرره).
ووعد مصيلحي الشعب بحل الأزمة خلال 48 ساعة، وذلك عن طريق الإسراع بإدخال المواطنين كافة المستحقين لمنظومة التموين، وإحلال البطاقات الذكية المستخدمة في صرف حصة الخبز المدعم بدلاً من البطاقات الورقية، وتحويل الملف بالكامل إلى وزارة الإنتاج الحربي.
إرهاصات موجة يأس
“المظاهرات تعد مؤشراً مجتمعياً خطيراً”، هكذا قالت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، في تصريحات خاصة عبر الهاتف لـ”عربي بوست”.
وحذرت منصور من مغبة تهاون النظام المصري مع المظاهرات، التي وصفتها بأنها إرهاصات لموجة يأس شعبي؛ نتيجة انخفاض القدرة على تحمّل تداعيات القرارات الاقتصادية.
ولفت إلى أنه رغم صدور قرارات أكثر قسوة مجتمعياً من قرار وزير التموين، فإن موجة اليأس ظهرت مع هذا القرار، وذلك يرجع إلى تعاقب القرارات الاقتصادية وارتفاع الأسعار بشكل مستمر، وهنا أصبحت قدرة المواطن على التحمل أضعف بكثير.
ورأت أستاذة علم الاجتماع أن هناك معادلة لبقاء النظام السياسي في الدولة، تقوم تلك المعادلة على قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة التي يحتاجها الشعب في مقابل قبول الشعب بالحفاظ على هذا النظام، والخلل في تلك المعادلة يؤدي إلى سقوط النظام، خصوصاً في ظل خلل بالمنظومة العالمية، حسب قولها.
“وهنا، يجب أن يدرك الجميع أن الحديث عن وجود مؤامرة لإسقاط النظام يعتمد بشكل كبير على غباء أعضائه، وفي المجتمع المصري العملاء قليلون جداً في مقابل أن الشريحة الأكبر هي للأغبياء الذين لا يدركون كيف يحافظون على التوازن المجتمعي بمصر، وعدم حدوث ثورة جياع”، حسب قولها.
وتكمل أستاذ علم الاجتماع حديثها قائلةً: “الخطر هنا، أننا نتحدث عن شريحة يمثل لها الخبز أهمية كبرى، وهناك مخاوف لديها من عدم توافره بين أيديها بالسعر المدعم وغياب هذا الحد الأدنى لمقومات الحياة، وتلك شريحةٌ، موجة غضبها اليائسة أمر يثير القلق”.
وأردفت قائلة: “الإفقار المطلق سوف يحول الناس لحالة من فقدان الأمل، وحين يسيطر اليأس الكامل على تلك الشريحة سوف نكون أمام خطر عظيم”، متوقعة موجة لن يستطيع أحد السيطرة عليها.
ما تحدثت عنه أستاذة علم الاجتماع ظهرت أصداؤه في بيان حزب الكرامة الصادر مساء الثلاثاء 7 مارس 2017 والذي حصلت “عربي بوست” على نسخة منه، حذر فيه من النهج الاقتصادي للنظام، مؤكداً أن كل سياسات النظام الاقتصادية الخاضعة لروشتة صندوق النقد الدولي زادت فقراء المصريين فقراً؛ بل وأدخلت جزءاً كبيراً من المصريين إلى حزام الفقر.
وأضاف البيان أن المظاهرات المشروعة التي قامت في عدد من المحافظات احتجاجاً على إلغاء العمل بالبطاقات الورقية لصرف الخبز المدعم، وما صاحبها من أقاويل بإلغاء صرف نقاط الخبز- أكبر دليل على أن صبر المصريين بدأ ينفد، وأن الجماهير ليس أمامها من سبيل للاحتجاج سوى التظاهر بعد عجز الحكومة والبرلمان في التعبير عن آمال الناس في عيشة كريمة تليق بهم، حسب البيان.
وطالب “الكرامة”، في بيانه، بالتراجع عن هذه القرارات وانتهاج سياسات اقتصادية أكثر رشداً تصب في مصلحة الطبقات الفقيرة، مشدداً على أن افتقاد النظام رؤية رشيدة يدفع البلاد إلى الهاوية، متوقعاً مزيداً من الاحتجاجات في الفترة المقبلة ما لم تتوقف القرارات التي تقف ضد رغبة المصريين في العيش والحرية.
وجدد “الكرامة” تحذيره من أن انتهاج سياسات نظام مبارك السياسية والاقتصادية نفسها؛ بل واختيار وزراء من بواقي نظامه سيُورد البلاد موارد التهلكة (في إشارة إلى وزير التموين الجديد علي مصيلحي الذي كان يتولى المنصب ذاته في نهاية عهد مبارك)، مؤكداً أن الطريق القويم والسليم الوحيد للبلاد هو تحقيق مطالب المصريين في ثورة 25 يناير وموجتها الأعظم في 30 يونيو .
ليس أمامي سوى الانتحار أو السرقة!
وهنا يعود للذهن مشهد “عم محمد” وهو يتحدث مع نفسه وسط المتظاهرين قائلاً: “والله، الحالة بقت ضنك (عوز)، والواحد مش عارف يعمل إيه، والواحد علشان يعيش في الظروف دي إما يبقى حرامي أو يروح ينتحر أحسن وربنا يستر”.