ستغادر باك غن هي، رئيسة كوريا الجنوبية، منصبها بعد أن أيّدت المحكمة الدستورية قرار البرلمان بإقالتها على خلفية تورّطها في فضيحة فساد، لكن ماذا يعني ذلك للبلاد ولمنطقة غير مستقرة؟
لماذا أقيلت باك؟
باك، التي تولّت المسؤولية في 2013، هي الشخصية الأبرز ضمن المتورّطين في فضيحة فساد ومحسوبية واسعة ضربت كوريا الجنوبية منذ الخريف الماضي، وفقاً لما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.
واتُّهمت باك، بالإضافة إلى صديقتها الحميمة منذ وقت طويل، تشوي سون سيل، بالتآمر للضغط على الشركات للتبرع بأموال طائلة إلى مؤسستين غير هادفتين للربح أسستهما تشوي. وجاءت شركة سامسونغ، وهي أشهر شركات البلاد حتى الآن، ضمن هذه الشركات التي تبرعت بحوالي 70 مليون دولار أميركي لهاتين المنظمتين. واتُّهمت تشوي باستغلال هذه الأموال في تحقيق ربح شخصي، وهو ما أنكرته.
وتم تعطيل صلاحيات باك الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد تصويت البرلمان على إقالتها، وهو القرار الذي أيدته المحكمة الدستورية بالإجماع، اليوم الجمعة.
وأقرّت باك بأنها تصرّفت بسذاجة، لكنها أنكرت قيامها بإجبار الشركات. وأنكرت أيضاً الادعاءات بأنها سمحت لصديقتها، التي لا تمتلك تصريحاً أمنياً، بالتدخل في شؤون البلاد، وسمحت لها بالتأثير على سياستها، بما في ذلك موقف العاصمة سول من برنامج الأسلحة النووية للجارة اللدودة كوريا الشمالية.
لكن المحكمة كان لها رأي آخر؛ إذ قالت في حُكمها: “تسترت باك على تدخل تشوي في شؤون البلاد، وأنكرت ذلك حينما أثيرت الشكوك حول الأمر، بل وانتقدت من أثاروا هذه الشكوك”.
ماذا سيحدث في كوريا الجنوبية؟
يجب أن تنتخب كوريا الجنوبية رئيساً جديداً في وقت يشهد غضباً واسعاً من الوضع الاقتصادي، والتأثير الذي تملكه النخب السياسية والصناعية في البلاد. وأجمعت وسائل الإعلام المحلية في كوريا الجنوبية أن المواطنين سيصوّتون على اختيار خليفتها في 9 مايو/أيار المقبل.
وتم تعيين هوانغ غيو أن، رئيس وزراء كوريا الجنوبية، قائماً بأعمال الرئيس بعد تصويت البرلمان المحلي على إقالة باك، على أن يستمر في هذا المنصب حتى موعد إقامة الانتخابات.
الملايين من المصوتين المعارضين لباك يأملون في أن تكون هذه الفضيحة حافزاً لإجراء إصلاحات داخلية شاملة للسيطرة على التأثير السياسي لعائلة “تشايبول”، وهي تكتل من الشركات المسيطرة على اقتصاد البلاد والمؤثرة على سياستها (تشمل شركات سامسونغ وإل جي وهيونداي وكيا).
ويخضع القائم بأعمال رئيس شركة سامسونغ للمحاكمة بالفعل فيما يتعلق بالتبرعات التي قامت بها الشركة لمؤسسات تشوي، وهناك دعوات متزايدة لمحاكمة عدد آخر من كبار رجال الأعمال في البلاد.
وفي باقي أنحاء المنطقة؟
ويأتي حُكم اليوم الجمعة في وقتٍ يشهد توتراً متزايداً في شبه الجزيرة الكورية وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ. تعاملت باك بحزم شديد مع البرنامج النووي لجارتها كوريا الشمالية، بعكس بعضٍ من أسلافها.
هناك قلق متزايد بشأن تقدم كوريا الشمالية نحو امتلاك ترسانةٍ نووية ناجحة. هذا الأسبوع، أطلقت كوريا الشمالية 4 صواريخ باليستية، وسقط أحدها على بعد 200 كيلومتر فقط من الساحل الشمالي الغربي لليابان. ورغم توجيه الإهانات لباك خلال الأيام الأولى من فترة رئاستها، التزمت إدارة بيونغ يانغ بالصمت إزاء فضيحة الفساد التي طالت باك.
نجحت باك في توثيق العلاقات مع الصين، لكنها توترت بعد موافقة كوريا الجنوبية على تطبيق نظام دفاع جوي صاروخي أميركي للتصدي للتهديدات المتزايدة القادمة من الشمال. وقالت بكين إن نظام “ثاد” الأميركي يمثل تهديداً لأمنها ونادت بإلغائه.
ويعد السياسي الليبرالي المخضرم، مون جاي إين، هو المستفيد الأكبر من هذه التطورات. مون، الذي يتقدم بأريحية في سباق خلافة باك، دعا إلى إعادة النظر في نظام الدفاع الجوي الصاروخي، ومن المتوقع أن يحاول إجراء حوار مع بيونغ يانغ.
قد تكون رئاسة مون جاءت متأخرة لإصلاح العلاقات مع بكين؛ إذ قال مسؤولون من واشنطن وسول إن نظام ثاد قد يصبح جاهزاً للتشغيل بحلول الشهر المقبل.
أيا كان من سيفوز بالانتخابات، ستكون الأولوية هي تحقيق استقرار في سياسات كوريا الجنوبية وبداية مهمة صعبة في توحيد بلد أصبح مقسماً بفعل هذه الفضيحة.
ماذا بعد بالنسبة لباك غن هي؟
بالإضافة إلى إقالتها من رئاسة البلاد قبل عام فقط من نهاية فترة ولايتها المكونة من 5 سنوات في فبراير/شباط 2018، يعني قرار المحكمة أن باك ستخسر حصانتها ضد الاتهام الجنائي والتي تمتعت بها طوال فترة رئاستها للبلاد. الآن لم تعد باك في موضع سلطة، ويمكن للمدعي العام أن يستدعيها ويستجوبها، وربما يعتقلها.
ولم تعلق باك على الحكم، لكنها قد لا تغادر البيت الأزرق الرئاسي فوراً، حسبما قال المتحدث الرسمي باسمها، وستنتظر حتى يتم تجهيز منزلها الخاص لاستقبالها.
ما رد فعل المواطنين الكوريين الجنوبيين؟
في الوقت الذي اشتبك فيه مؤيدو باك المحافظون مع قوات الشرطة خارج المحكمة، خرج الملايين من المواطنين إلى الشوارع في عدة مدن منذ العام الماضي، داعين إلى إقالة باك.
وأقيمت مسيرات صغيرة مؤيدة لباك خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، شملت بشكل أساسي المصوتين كبار السن الذين استعادوا الذكريات المتعلقة بدور والدها الديكتاتور في تشجيع تحول كوريا الجنوبية إلى قوة اقتصادية آسيوية كبرى.
وبالنظر إلى قوة الرأي العام وخطورة الاتهامات الموجهة إلى باك، فإن أي قرار بإعادتها إلى منصبها مرة أخرى قد يتسبب في اضطرابات عامة، في ظل تهديدات بعض المتظاهرين المعارضين لباك ببداية ثورة.
– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.