ما تداعيات موقف عون المؤيد لحزب الله؟.. تصريحاته الأخيرة لاقت وابلاً من الاعتراضات

اعتاد اللبنانيون على مدار السنين فكرة أنَّ تصرُّفات الكثير من قادتهم السياسيين وتصريحاتهم (إن لم يكُن كلّهم) يمكن التراجع عنها بسهولةٍ أو محوها ببساطة دون وجود أي شكلٍ من المحاسبة أو العواقب. ومع ذلك، قد يكون وابل الانتقادات التي تسبَّبت فيها التصريحات الأخيرة للرئيس اللبناني ميشيل عون دعماً لحزب الله استثناءً من القاعدة السابقة.

وجاءت الاعتراضات على تصريحات عون – التي لا يصح خروجها من رجل دولة – من سفراء مجموعة الدعم الدولية للبنان، التي تضم الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، والصين، إضافةً إلى سفير الاتحاد الأوروبي، ومُمثِّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، ومُمثِّل جامعة الدول العربية. وربما يكون هذا بمثابة تحذيرٍ لما ينتظر لبنان إذا ما أبقى عون على نهجه المحفوف بالمخاطر، بحسب ما ذكر موقع ميدل إيست آي.

وحذَّرت السفيرة الأميركية لدى لبنان، إليزابيث ريتشارد، بوضوحٍ الدولة اللبنانية من أنَّ رفض الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ربما يؤدي إلى سحب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل).

ومع ذلك، وكما يظهر، فإنَّ موقف عون المائل لدعم حزب الله قد أفشل عملياً قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي يقضي بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان، ووضع لبنان تحت إشراف المجتمع الدولي، وهو الشيء الذي ربما تكون له عواقب وخيمة على لبنان واقتصاده الهش.

تعليقات استفزازية

إذاً، وتبعاً لمنطق مجموعة الدعم الدولية للبنان، لِمَ قد يواصل المجتمع الدولي مساعدة الحكومة اللبنانية في حين أنَّها ترفض بوضوح اتِّباع الحس السليم وتستخدم قرار الأمم المتحدة لتوسيع سيادتها وسيطرتها على إقليمها؟

ومع ذلك، يتمثَّل الأمر الأخطر من ذلك في أنَّ سحب قوة حفظ السلام يمكن أن يُفَسَّر على أنَّه تأييدٌ ضمني لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وداعية الحرب، بنيامين نتنياهو لتحقيق ما فشل فيه، وهو اجتثاث حزب الله وترسانته الصاروخية الموجودة تحت الأرض من الجذور.

ومن منظورٍ عملي، سيتضرَّر حزب الله بشدة من انسحاب اليونيفيل، لأنَّه لن يكون قادراً بعد الآن على استخدام القوة المؤقتة كرهائن افتراضيين للاختباء وراءهم، ولا على الادِّعاء بأنَّ تحرُّكاته ضد إسرائيل كانت ذات طبيعة دفاعية.

ويظل سيناريو رحيل قوة اليونيفيل، رغم أنَّه ممكن، بعيد المنال إلى حدٍ ما في هذه المرحلة، إذ اعتادت جميع الأطراف المعنية (الأمم المتحدة، وإسرائيل، وحزب الله) على هذا السلام الجدليّ.

والأهم من ذلك، كما أشار بعض المُحلِّلين، هو أنَّ حزب الله مُنخرِطٌ للغاية في الحرب السورية لدرجة تمنعه من أن يُشكِّل أي تهديدٍ خطير لإسرائيل، وبالتالي سيُفضِّل كلا الطرفين الإبقاء على هذا الوضع الراهن.

ويأتي التهديد الحقيقي للدولة اللبنانية ورئيسها الجديد من مكانٍ آخر في العالم العربي، خصوصاً في البلدان السُنّيّة الخليجية المُقتنِعة أكثر من أي وقتٍ مضى بأنَّ إيران قد سيطرت على لبنان وبالتبعية لابد من التعامل معه كدولةٍ مارقة.

اختبار جدي

التماسك الداخلي اللبناني هو ما جعل ما يسمى الانتصار المقدس لحزب الله، عام 2006، أمراً ممكناً، إلى جانب مبادرة ضخمة قادها الملك عبدالله وقطر لإعادة بناء البنية التحتية المدنية للبنان، إلى جانب البلدات والقرى في جنوب لبنان والضواحي الجنوبية لبيروت التي استخدمها حزب الله لصد آلة الحرب الإسرائيلية.

لم يقدر هذا الالتزام المالي والأخلاقي لهاتين الدولتين الخليجيتين حق قدره، إذ أعلن حزب الله، مستخدماً الدولة اللبنانية وحلفاءه في الحكومة غطاء، الحرب المفتوحة على آل سعود.

رأى الكثير من اللبنانيين زيارة عون إلى السعودية في يناير/كانون الثاني الماضي محاولة لإصلاح العلاقات والإنعاش المحتمل لسخاء المملكة تجاه لبنان واقتصاده المتعثر. ومع ذلك، فقد ذهبت كل هذه الآمال أدراج الرياح بعد التعليقات المستفزة لميشيل عون دعماً لإيران، العدو اللدود للسعودية.

لكنَّ الأمر الأهم، وهو الاختبار الجدي الذي ينتظر عون، والدولة اللبنانية برمتها، هو اجتماع القمة العربية القادم المقرر عقده في الأردن نهاية مارس/آذار. كما هو متوقع، سيقود عون وفداً رفيع المستوى يشمل رئيس الوزراء سعد الحريري للمشاركة في القمة، حيث سيترقب الجميع الخطاب الرئيسي الذي سيلقيه الرئيس اللبناني.

لو اختار عون مواصلة الترويج للخطاب الإيراني ومواصلة الانجراف بعيداً عن الإجماع العربي عن طريق الدفاع عن أسلحة حزب الله، فإنه يخاطر بوضع بلاده بأكملها تحت طائلة المزيد من التقشف السياسي والاقتصادي.

ولو حدث هذا الأمر فعلاً، فسيكون مطلوباً من الحريري، الحليف الأساسي للسعودية، أن يخرج عن صمته ويدين السلوك الرديء لعون علناً ليحمي لبنان من الانتقام العربي.

ومع ذلك، فالحريري، كما هو واضح، قد امتنع عن انتقاد عون، حتى بعد أن ألغى ملك السعودية زيارته القادمة للبنان، وهي فرصة كان من المقرر لها أن تعيد العلاقات بين لبنان والسعودية، التي لم ترسل حتى الآن سفيراً عوضاً عن السفير الذي سحبته من لبنان العام الماضي.

لطالما أكد الرئيس عون أنَّ لبنان يحتاج رئيساً قوياً، بإمكانه أن يعيد أمجاد الماضي التليد عندما كان المسيحيون يحكمون البلاد. ومع ذلك، فأقوال وأفعال عون عكس أهدافه المعلنة، ذلك أنَّ عزل لبنان عن محيطه العربي، وخلافه مع المجتمع الدولي لن يؤديا إلا إلى مزيد من التهميش للبنان، وهي مرحلة جديدة من التدني بالنسبة لبلد يتفاخر بكونه جسراً بين الشرق والغرب.

ربما تكون هذه الحقيقة تذكيراً مفيداً لعون وحزبه عندما يهبطون في مطار عمان لحضور القمة العربية، إنَّ كل كلمة يقولونها ستكون لها تبعات على لبنان ومستقبله.

– هذا الموضوع مترجم عن Middle East Eye. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top