مليارات الجزائر المنهوبة

مرّت سنوات عن العشرية الحمراء في الجزائر وما بعدها من السنوات السوداء في ظل حكم الفساد، سنوات لم يكن أشدّ المتربصين بالجزائر يتخيّل يوماً أنّ الجزائر ستعيش سنوات عصيبة كتلك، قتل ودمار ونهب وسلب وفساد وبيروقراطية، رشى ومحسوبية وبطالة في غياب للديمقراطية، طال الجميع باستثناء الجناة، رغم صبر السنين ما زالت موجة السخط والاتهام وطلب الحقوق تلقي بظلالها على الشارع الجزائري، البحبوحة المالية التي عرفها المشهد الثاني من المحرقة الرهيبة لم تفعل الشيء الكثير لصناع الرعب والقرار في البلاد، سخطٌ لطالما كانت المليارات المنهوبة والدماء المسفوكة دون عقاب، أشد وقود لاستمراره.. مرحباً بكم في مليارات الجزائر المنهوبة.

حلم الجزائريون يوماً بالديمقراطية، فخرجوا بالملايين يلبون نداء الحق والواجب الدستوري، منتخبين ممثليهم في الانتخابات البلدية، تحقق جزء من الحلم وفاز من كدّ ووعد بالكثير، كان الجزائريون يحصرونه في العيش بحرية وكرامة اجتماعية، في ظل مجتمع إسلامي صرف، احتاج إكمال الحلم فوزاً بالانتخابات البرلمانية ليكتمل الفرح، فرح وإن كان قريباً من قلوب الجزائريين آنذاك، أبعدته ثلة من الجنرالات بانقلاب شنيع على الوطن والوطنية والشعب، انقلاب أفرز سنوات من التخلف أولاً وسفك الدماء ثانياً، ونهب الأموال والممتلكات ثالثاً، من هنا تكتمل فصول قصة مليارات الجزائر المنهوبة.

30 مليار دولار ما بين 1962 و1991:

كانت إحصائيات الفساد في الجزائر خلال الفترة الممتدة بين 1962 وحتى بداية العشرية السوداء في 1991، من الأسرار التي أرادت سلطة الحزب الواحد آنذاك إبقاءها طي الكتمان، إلى أن جاء اليوم الذي قرر فيه الوزير الأول الأسبق عبد الحميد براهيمي وضع الجزائريين في صورة ما كان ينهش اقتصاد بلادهم من فساد؛ حيث قال إن في تلك الفترة كان معدل الفساد مليار دولار في السنة، سارداً قصة نهب 30 مليار دولار في الفترة ما بين الاستقلال والانقلاب.

175 مليار دولار ما بين 1980 و2009:

ذكر البنك الإفريقي للتنمية في أحد تقاريره لعام 2013 أن الأموال التي خرجت من الجزائر بطريقة غير مشروعة في الفترة بين 1980 و2009 بلغت 173.11 مليار دولار، وأضاف التقرير أن صافي الموارد المالية التي خرجت من الجزائر على مدار الأعوام الثلاثين الماضية التي حصرها التقرير، بطريقة غير مشروعة مرتبط في أغلب الأحيان بحالات الفساد التي تشوب المشروعات العامة في قطاعات النفط والمعادن، وغياب الشفافية في تنفيذ الموازنة وغسل أموال، وتهرب ضريبي، ورشاوى، وعمليات تهريب أخرى، ما جعل الجزائر تحتل المرتبة الرابعة إفريقياً من ناحية مقدار المليارات المنهوبة بعد كل من نيجيريا وليبيا وجنوب إفريقيا.

مليارا دولار في قضية خليفة:

أول ما يخطر على ذاكرة الفساد في الجزائر، هو قضية الصيدلي عبد المؤمن خليفة، الذي بنى إمبراطورية مالية من المال الفاسد، جعلته بين ليلة وضحاها مالكاً لمجموعة اقتصادية ضخمة تضم بنوكاً وشركة طيران عملاقة ومموِّلاً لنادي مرسيليا الفرنسي، وأظهرت تقديرات اقتصادية أنه ألحق خسائر فادحة بالخزينة العمومية الجزائرية بلغت حوالي 2 مليار دولار، تاركاً وراءه الآلاف من الموظفين عاطلين بلا شغل وعدداً مشابهاً من زبائن البنك الذين طارت أموالهم في السماء.

9 مليارات دولار في قضية سونطراك:

تعد أسطورة سونطراك واحدة من أكبر شركات النفط العالمية؛ حيث تحتل المرتبة الـ12 عالمياً، لطالما ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الوطني؛ حيث وصلت إيراداتها سنة 2009 إلى 77 مليار دولار، هذا الارتباط سرعان ما تحول والتصق بالفساد، خصوصاً بعد الكشف عن فضيحة سونطراك 1 و2 التي فاقت الـ9 مليارات مجتمعة، مليارات تبخرت دون أن يلقى لها أثر ولا بال، محاكمات برأت المتهمين، وحولت القضية من الجنايات إلى الجنح.

22 مليار دولار في الطريق السيّار:

يعد ملف الطريق السيار أثقل ملف فضيحة فساد في عهد حكم نائب رئيس الاتحاد الإفريقي في الجزائر وإفريقيا على حد سواء، مشروع قدر مبلغه الإجمالي المصادق عليه مع المجمع الصيني المختص بستة مليارات دولار، وبدأ إنجازه في سبتمبر/أيلول من عام 2006، وبدأ التحقيق في قضايا فساده في 2008، وإلى كتابة هذا المقال لم ينتهِ، وما أكله فاق الـ22 مليار دولار، أي تقريباً أربعة أضعاف مبلغ الصفقة وأبرز المتهمين من الشارع الجزائري الوزير السابق للنقل.

توقف السداد ولم يتوقف العدّاد، مليارات لم يقدر لها حساب، ولم يقدر لها الاسترجاع، بينما استرجعت أو كادت، دول كنيجيريا ومالي وأنغولا وأخيراً ليبيا أموالها المنهوبة، تبقى مليارات الجزائر ما بين سويسرا وماليزيا وجزر العذراء تنتظر جريئاً يحولها إلى سيدي محمد ورغاية وقسنطينة، جرأة ستعرقلها لا محالة ملفات الجزائر السوداء، التي أساءت إلى سمعة الجزائر كثيراً، الإساءة هذه ستعرقل لا محالة مطالب الجزائر الجريئة لاستعادة أموال وممتلكات، سواء فريد بجاوي، أو شكيب خليل، إذا ما ثبتت إدانتهما قضائياً، أو عبد المؤمن خليفة وغيرها من الأسماء التي لا زالت مجهولة إلى حين، هؤلاء هم جزء يسير من الجناة.. وهذه هي مليارات الجزائر المنهوبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top