6000 بريء سُجنوا عام 2015 قبل أن يطلق سراحهم.. هل هناك خلل في القضاء المغربي؟

في التداول الشعبي العربي، هناك دائماً عبارة تتردد على ألسنة المظلومين أو المقربين منهم؛ تقول: “ياما في السجن مظاليم”، وهنا في سجون المغرب أيضاً، يقبع خلف القضبان أبرياء كثر.

شهادة زور، أو خبرة قضائية وأبحاث تمهيدية خاطئة من طرف الشرطة، كلها عوامل يمكنها أن تسبب، بحسن نية، في اعتقال الأبرياء والحكم عليهم بالسجن من طرف القاضي، فيما يبقى الجناة أحراراً دون أن تطولهم يد العدالة.

في تقريرها السنوي، كشفت المندوبية العامة لإدارة السجون بالمغرب، عن إطلاق سراح 6000 سجين عام 2015 فقط، بعد أن تبين أنهم أبرياء فعلاً، وأنهم اعتُقلوا وسُجنوا بالخطأ فقط، فيما غادر 7000 آخرون زنزاناتهم؛ لأنهم يستحقون المتابعة في حالة سراح في الأصل.

كما أورد التقرير أن هناك أكثر من 1000 شخص كانوا معتقلين وأُفرج عنهم بسبب سقوط الدعوى التي كانوا سيتابَعون بموجبها، إضافة إلى 371 شخصاً استعادوا حريتهم بعدما تقررت عدم متابعتهم، و176 شخصاً أُطلق سراحهم بعدما حكم عليهم القضاء بالغرامة فقط دون حبس أو سجن.

وفوق كل هؤلاء المظلومين الذين سلبتهم المحاكم حريتهم، تفيد المعطيات الإحصائية بأن 3570 سجيناً، استفادوا من العفو عما تبقى من عقوبتهم السجنية ليغادروا أسوار السجون.

أما ما يتعلق بفئة السجناء المدانين بأحكام قضائية نهائية أو المكرَهين بدنياً، فبلغت ما مجموعه 43 ألف شخص استقبلتهم سجون المملكة في عام 2015، وجزء كبير منهم أُدين بعقوبات حبسية قصيرة المدة، بحسب تقرير المندوبية العامة لإدارة السجون.

حالات بريئة


فاطمة (اسم مستعار)، تحمل بين أيامها تفاصيل عقوبة قضتها بريئة مما نُسب إليها وراء القضبان، كما تقول. رغم أن عقوبتها كانت قصيرة، لكنها -كما حكت لـ”عربي بوست”- جعلت منها في الأول والأخير “خريجة سجون”، ستتذكرها أو سيذكّرها بها كل من علم بأمرها، خصوصاً أنها من مدينة صغيرة ومعروفة في محافظتها شمال شرقي المغرب.

تهمة فاطمة، وهي في عقدها الثالث، كانت “إعداد وكر للدعارة”، سجنت على أثرها رغم إنكارها، ثم جاء حكم الاستئناف وأسقط التهمة عن الشابة، بعد أن تبين أنه لا أدلة على ما نُسب إليها، وإصرار المتهمة البريئة على إنكارها ما نسب إليها.

اليوم تواصل السجينة السابقة خوض معركة أخرى أمام المحكمة، في قضية “رد الاعتبار” بخصوص الضرر الذي طالها جراء المدة التي قضتها وراء القضبان وهي بريئة.

وليست فاطمة الوحيدة، فهي نموذج فقط ممن استطاعت “عربي بوست” التحدث إليهم.

واشتُهرت قبل سنوات في المغرب واحدة من القضايا الشبيهة، بعد أن أصبحت حديث الرأي العام، وعُرفت في الإعلام المحلي بقضية “المولي والنوري“.

قبل سنوات، اهتزت مدينة الجديدة على سواحل المحيط الأطلسي، على وقع جرائم قتل في حق نساء، توبع فيها مواطنان بريئان، من أجل جناية القتل العمد، وحكم عليهما بالسجن المؤبد، قبل أن يعترف الجاني الحقيقي الذي اقترف سلسلة من الجرائم البشعة بأفعاله، ويصدر في حقه حكم بالإعدام.

وكانت حينئذ شهادة زور من أحدهم كافية، لتزج بالمواطنين البريئين وراء القضبان، بدل المجرم الحقيقي.

رأي حقوقي


ويرى عبد الرحيم الجامعي، المحامي ورئيس المرصد الوطني للسجون (هيئة غير حكومية)، أن “هناك بيئة قانونية غير واضحة؛ لأن حتى النصوص القانونية تصاغ بطريقة تسهل الإجهاز على الحرية وإيداع الناس في السجون، وإن لم يكن هناك إلا بعض الإرهاصات على أنهم يمكن أن يكونوا مذنبين”.

كما يعتبر الناشط الحقوقي، في اتصال هاتفي مع “عربي بوست”، أن هناك إشكالاً أيضاً في “التصرف في سلطة الاعتقال؛ إذ يوجد بالمغرب ظاهرة خطيرة، تكمن في وجود أطراف تملك حق سحب حرية المواطن بسبب قناعة شخصية”.

ويوضح المتحدث أن “تقدير شروط وظروف الاعتقال هي أمور تختلف بحسب مناطق المغرب، كما أن المزاج يتغلب في هذه الأمور كلها، إضافة إلى أن التعليمات أيضاً تتغلب في هذه الأمور كذلك، كما قد يكون للرشى أحياناً دور خطير في الاعتقال”.

لكن الجامعي، يستثني من هؤلاء من يعي هذا الدور الخطير الذي يعطيه له القانون، “فيتصرف بحكمة وبمرونة وبشيء من الانتباه؛ حتى لا يزج بالإنسان داخل السجون، بمن في ذلك من تثبت خلال المحاكمة براءتهم”.

وشدد المحامي ورئيس المرصد الوطني للسجون، على أن “الاعتقال والتصرف فيه بشكل مطلق وبشكل يهدد الحرية، هو عنوان للاستبداد”.

فالمفروض، يقول عبد الرحيم الجامعي، أن “دولة الحق والقانون هي التي تحمي الحرية، والاعتقال يكون استثناء، والأخير يجب أن يوضع له شروط، حتى لو لجأ القاضي أو ضابط الشرطة أو قاضي التحقيق أو قاضي النيابة العامة إلى هذا الاستثناء، فسيكون مكرَهاً لإيداع الشخص السجن”.

ودعا الناشط الحقوقي كل من سُجن وهو بريء إلى مقاضاة الدولة “التي يجب عليها بدورها أن تُحدث صندوقاً خاصاً من الميزانية العامة مخصصاً لتعويض ضحايا الأخطاء القضائية، وأن يتم إدماج التأمين على الأخطاء القضائية في عقود التأمين، إضافة إلى ضرورة أن يؤمَّن القضاة على أخطائهم، كما هو الشأن بالنسبة لمهن أخرى”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top