في الذكرى الـ14 لانطلاق الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق وأعاد تشكيل الشرق الأوسط، التقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الرئيس ترامب في البيت الأبيض.
وقد غرقت زيارته في دورة الأخبار الأميركية؛ بسبب التغطية المحمومة لجلسات الاستماع في الكونغرس بشأن التدخُّل الروسي في انتخابات العام الماضي. وأشار العبادي إلى الموضوع الذي يسيطر على النقاشات الوطنية، وقال مازحاً بينما يجلس إلى جوار ترامب إنَّه لا علاقة له بقضية التنصُّت على هواتف من كانوا آنذاك مُرشَّحين للانتخابات الرئاسية الأميركية. (وفي وقتٍ سابق من اليوم نفسه، أكَّد جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، أنَّ وكالته لم تجد أي دليلٍ يدعم مزاعم ترامب بشأن قضية التنصُّت).
وغرَّدت فيفيان سلامة، الصحفية بوكالة أسوشييتد برس الأميركية في البيت الأبيض، على موقع تويتر قائلةً: “ترامب يلتقي رئيس الوزراء العراقي العبادي في المكتب البيضاوي. وبينما كنا نهم بالرحيل، قال العبادي مازحاً: لا علاقة لنا بالتنصُّت”.
Trump meets Iraqi PM Abadi in the Oval Office. As we left, Abadi joked, "we have nothing to do with the wiretap." pic.twitter.com/vfoGWkahB7
— Vivian Salama (@vmsalama) March 20, 2017
لكنَّ علاقة البيت الأبيض بالحكومة العراقية بالكاد مسألة تثير الضحك. فبينما تستعيد القوات المدعومة أميركياً والقوات الحكومية العراقية، بثباتٍ، مدينة الموصل الشمالية الهامة من قبضة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، يتحوَّل التركيز إلى ما سيحدث بمجرد الانتصار في تلك المعركة. وهناك تحديات صعبة ماثِلة: فلم تثبت الحكومة الضعيفة التي يقودها الشيعة في بغداد بعد امتلاكها القدرة على حكم المناطق التي يُمثِّل فيها السُنّة أغلبية السكان، وتكتسب حركة لتنظيم استفتاء على إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق زخماً، وتمارس أيضاً مجموعةٌ من القوى الإقليمية، بما في ذلك تركيا وإيران، نفوذاً على الأرض بوسائل متنافِسة.
وأكَّد العبادي، الإثنين 20 مارس/آذار: “إنَّنا نُثبِت أنَّ داعش يمكن القضاء عليه”، مشيراً إلى جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية”. وكان العبادي يتحدَّث في معهد السلام الأميركي، وهي وكالة حكومية تُخطِّط إدارة ترامب لإلغائها في موازنتها الجديدة المُقترحة. وبعث العبادي برسالة أمل لشعبه، قائلاً إنَّ الأمور ستصبح أفضل، وإنَّ الديمقراطية الوليدة في البلاد كانت تُمضي قُدماً بنجاح.
وغرَّدت كيت مسغريف، الباحثة بالصندوق الوطني للديمقراطية، قائلةً: “العبادي الآن في معهد السلام الأميركي: “نجحنا في تحرير الناس ونتمتَّع (بثقة) الشعب”.
Iraqi PM @HaiderAlAbadi now at @USIP: "We have managed to liberate the people and have the *trust* of the people." #AbadiUSIP pic.twitter.com/FJ2q1AsvaY
— Kate Musgrave (@kate_musgrave) March 20, 2017
ومع ذلك، يشعر المنتقدون، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، بالقلق حيال آثار الطائفية الراسخة والمتعمِّقة؛ إذ لا تزال حكومة العبادي التي يهيمن عليها الشيعة لا تتمتَّع بالثقة في المناطق التي استُعيدت من داعش. واتُّهِمت ميليشيات مدعومة من إيران وتحشدها حكومة العبادي للقتال في الحملة المناهضة لداعش بتنفيذ مجازر بحق السُنَّة الذين اعتبروا أنَّهم تعاونوا مع التنظيم الجهادي.
ويتناول تقريرٍ سينشره برنامج Frontline على شبكة PBS الأميركية الثلاثاء 21 مارس 2017، تفاصيل حالات الاختفاء الجماعية للصِبية والرجال السُنّة من قريةٍ خارج بغداد كانت تحت سيطرة داعش من قبل. ويدَّعي السكان المحلِّيون أنَّ الرجال قد اختُطِفوا من قِبَل المقاتلين الشيعة الذين حرَّروا القرية من الجهاديين. وعلى نطاقٍ أوسع، كما أفاد زملائي، فإنَّ عدم كفاءة الضباط المحليين والكسب غير المشروع في صفوف الشرطة والقضاء في أجزاء معينة من العراق- قد أفسح المجال أمام خلايا داعش للعودة إلى المدن الرئيسية في المحافظات التي أُخرِجوا منها مؤخراً فقط.
واعترف العبادي خلال كلمته في معهد السلام الأميركي: “ورثنا الكثير من المشكلات، بعضها مُتجذِّر في مجتمعنا”.
وليس من المؤكَّد كيف ستتعامل إدارة ترامب مع أي من هذه المشكلات. فمنذ الحملة الانتخابية، كانت رسائل ترامب حول العراق مُربِكة. فمن ناحية، كان ينتقد دوماً غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 (على الرغم من الكشف عن أنَّه كان مؤيداً للحرب قبل أن يصبح معارضاً لها)، وأشار إلى أنَّه يرغب في قطيعةٍ جذرية مع تاريخ حزبه (الحزب الجمهوري) في هندسة تغيير النُظُم والاضطلاع بمشاريع بناء الأمم في الشرق الأوسط.
لكن في الوقت نفسه، دفع ترامب باتجاه نهجٍ أكثر قوة لمحاربة داعش، وأظهر تجاهلاً مُقلِقاً لسيادة العراق من خلال دعواته المُزعِجة لأخذ نفط البلاد.
وغرَّدت شانون بيتيبيس، مراسلة وكالة بلومبرغ نيوز في البيت الأبيض، قائلةً: “ترامب إلى رئيس الوزراء العراقي: ربما لم يكن علينا أن نخوض تلك الحرب، لكن بالتأكيد ما كان علينا أن ننسحب من العراق. ما كان علينا أبداً أن ننسحب”.
Trump to Iraqi PM: perhaps we shouldn’t have gone in, but certainly we shouldn’t have left. We never should have left pic.twitter.com/19aKZdjoES
— Shannon Pettypiece (@spettypi) March 20, 2017
وبعد ذلك، قرَّر ترامب أن يُدرِج العراق ضمن قائمة البلدان السبعة ذات الغالبية المسلمة التي يُحظر سفر مواطنيها إلى الولايات المتحدة. (استبعد قرارٌ تنفيذي ثاني العراق من القائمة، ويواجه هذا القرار الآن تحديات قانونية في المحاكم).
وكتبت سوزان غلاسر، الكاتبة في مجلة Politico الأميركية: “تحدَّث الرئيس ترامب كثيراً عن هزيمة داعش، لكنَّه لم يفعل أي شيء تقريباً للتعامل مع العراق نفسه، باستثناء قرنه بدول مشتبه فيها أخرى في حظر سفرٍ مؤقت، وهي الخطوة التي تراجع عنها في نهاية المطاف وسط اعتراضاتٍ من قادته، الذين رفضوا معاملة حليفٍ بطريقة مُهينة”.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، بمقالٍ افتتاحي لها في فبراير/شباط الماضي، أنَّه “في حين تستحق إدارة أوباما أن يُلقى باللائمة عليها لتهرُّبها من التحديات السياسية في العراق، إلّا أنَّ ترامب سرعان ما فاقم المشكلة”.
ولا يمنح التقليص المُقتَرَح من البيت الأبيض لموازنة وزارة الخارجية، ولا مبالاته العامة تجاه الدبلوماسية متعددة الأطراف، الكثير من الثقة للمراقبين.
وكتب كلٌ من جيف بريسكوت ودانيال بنجامين، وهما مسؤولان سابقان بإدارة أوباما، في مجلة فورين بوليسي الأميركية، أنَّ “جهود ترامب لـ(تفكيك) الأجزاء التي لا ترتبط بوزارة الدفاع من أجهزة السياسة الخارجية الأميركية، فضلاً عن تقليص الدعم للمؤسسات الدولية، تهدِّد بتجريد الولايات المتحدة من أدواتها التي تحتاجها في العراق وغيره، في الوقت الذي نحن في أمسِّ الحاجة فيه لتلك الأدوات. وما لم نكن نُخطِّط لغزوٍ جديد للعراق (أو نسعى بصورةٍ حقيقية وحمقاء لـ”أخذ النفط”)، فإنَّ الواقع يفرض أن تتولَّى وزارة الدفاع، وهيئة المعونة الأميركية، وصندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة المهمة بمجرد أن تنتهي المعركة ويتنحَّى جيشنا جانباً”.
والوضع على الأرض مُعقَّدٌ بصورة لا تُصدَّق. فبعيداً عن تنامي التطلُّعات القومية الكردية وصعوبة إعادة دمج المناطق السُنّيّة في العراق، أشارت غلاسر إلى أنَّ الزعيم العراقي عليه أيضاً أن يتعامل مع المشهد السياسي المُضطَّرِب في بغداد.
وكتبت غلاسر أنَّ “العبادي، الذي يُواجه اختبار إعادة انتخابه العام المُقبِل، 2018، لديه الكثير ليقلق بشأنه، من داخل حزبه السياسي الشيعي، وكذلك من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يُنظَر إليه على نطاق واسع باعتباره لا يزال يتحيَّن الفرصة لتعثُّر العبادي”.
وانتقد ترامب أسلافه لإهدائهم العراق إلى إيران. لكنَّ عداء إدارة ترامب لإيران قد يستعدي العبادي وغيره من الشيعة العراقيين البارزين في بغداد.
وكتب بريسكوت وبنجامين: “إنَّ استخدام العراق كساحة معركة لتكون جزءاً من استراتيجية أوسع لمواجهة إيران، من شأنه أيضاً أن يغفل عن أساس الوجود الأميركي هناك، كضيفٍ مَدعوّ للحكومة العراقية. وبقدر ما يحتاجنا العراق، فنحن أيضاً بحاجةٍ إليه، خاصةً في ظل التهديدات المستمرة ضد الوطن، بما في ذلك اعتباره مركزاً للمعركة المتواصلة ضد داعش في سوريا”.
وفي واشنطن، سعى العبادي لإظهار أنَّ حكومته قادرة على أن تكون شريكاً صلباً للولايات المتحدة. لكنَّ التوتُّرات الكامنة لا تزال غير منتهيةٍ بعد.
وذكر العبادي في ختام كلمته بمعهد السلام الأميركي: “علينا أن نعمل مع الآخرين. علينا أن نبني الجسور”. وأنهى كلمته بمزحةٍ أخرى مُتعلِّقة بترامب: “ومن الناحية الأخرى، ماذا تفعلون أنتم؟ تبنون الجدران؟!”.
– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.