“الزوجة والعشيقة”، هكذا وصف أحد المسؤولين الجزائريين ذات مرة علاقة السلطة في الجزائر بالحزبين الموالين لها.
فحزب جبهة التحرير الوطني العريق هو الزوجة، والتجمع الوطني الديمقراطي هو العشيقة، حسب تعبيره.
ولكن مَن سيفوز في الصراع الذي طفا على السطح، بين الحزبين التوأمين، وذلك قبل مدة قصيرة من الانتخابات المزمع حدوثها في مايو/أيار 2017، حسب تقرير لصحيفة جون أفريك الفرنسية.
في ظل الدستور الجديد، الذي اعتمد في سنة 2016، يحتم على الرئيس التشاور مع الأغلبية البرلمانية قبل تسمية رئيس وزرائه. وتمثل هذه النقطة التحدي الرئيسي للأحزاب المتنافسة في المعركة الانتخابية الحالية. ولكن من الناحية النظرية، لا يوجد أي قانون يفرض على الرئيس اختيار أحد أعضاء الحزب الذي حظي بأغلبية المقاعد.
على مدى السنوات 18 الماضية، كانت هناك بعض الأعراف في العلاقة بين الحزبين على غرار أن يكون رئيس الحكومة عضواً في التجمع الوطني الديمقراطي، في حين أن جبهة التحرير الوطني تمثل الأغلبية في المجلس، والعكس صحيح.
ولكن في شهر أيلول/سبتمبر 2012، تولّى عبد المالك سلال منصب رئيس الوزراء، على الرغم من أنه لم يكن ينشط في أي حزب بحسب الصحيفة الفرنسية. ومن هذا المنطلق، يثور تساؤل هل سيسلم بوتفليقة مفاتيح الحكومة لجبهة التحرير الوطني، إذا ما حظيت بالأغلبية، في شهر مايو/آيار المقبل 2017.
وتعد قضية تشكيل الحكومة إحدى أبرز القضايا الخلافية التقليدية بين الجانبين.
ومن أبرز محطات هذه الخلافات اعتراض الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، أحمد أويحيى، على قرار الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، تعيين عبد العزيز بلخادم وزيراً للخارجية، في 26 أغسطس/آب سنة 2000.
إذ تساءل كيف يمكن للأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد العزيز بلخادم، المتهم بولائه لآية الله الإيراني، أن يشغل منصب الرئيس الجديد للدبلوماسية الجزائرية؟
وفي ذلك الوقت، قام أويحيى بإجراء مكالمة هاتفية مع رئيس الحكومة، علي بن فليس، أعرب من خلالها عن معارضته لتعيين بلخادم في مثل هذا المنصب المهم.
وهدد أويحيى بالاستقالة، بعد أن أشار إلى أن “التجمع الوطني الديمقراطي يحظى بالأغلبية في البرلمان الجزائري، (156 مقعداً، مقابل 62 لحزب جبهة التحرير الوطني).
تدخل آنذاك محمد لمين مدين، رئيس المخابرات القوي، الذي يُعرف باسم، “الجنرال توفيق” عندما علم بمعارضة زعيم التجمع الوطني الديمقراطي لقرار تعيين بلخادم، حيث أكد أن “الدبلوماسية هي مسؤولية رئيس الدولة”، في محاولة منه لتهدئة الوضع.
لم يتقبل الرئيس بوتفليقة مثل هذه التهديدات، حتى إنه أشار في إحدى المقابلات، إلى أنه “لم يَصنع الفزاعات لكي يخاف منها”، في إشارة إلى التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تأسس من العدم من قبل الحكومة، في شهر فبراير/شباط في سنة 1997. ومن المؤكد أن هذه الرسالة قد وصلت إلى مسامع أويحيى، الذي أدرك المغزى من ورائها.
اليوم، يدخل بوتفليقة سنته الثامنة عشرة على رأس السلطة في الجزائر، بعد أن تقاعد الجنرال توفيق، في حين تسلم أويحيى رئاسة مكتب الرئيس، مع العلم أنه لا يزال يواصل قيادة التجمع الوطني الديمقراطي.
وبلغت رحلة بلخادم في قلب الحكومة الجزائرية أوجها في سنة 2000، حين شغل منصب الأمين العام لجبهة التحرير الوطني ورئيس الحكومة.
بدوره، دأب الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، عمار سعيداني، الذي كان مقرباً من دائرة أسرة بوتفليقة، على المطالبة بتولي رئاسة الحكومة، حيث كان هذا “المتذمر” يستغل أي فرصة سانحة لتوجيه انتقادات لاذعة لأحمد أويحيى. وكان سعداني يقول إن “هذه هي إحدى قواعد اللعبة الديمقراطية، فالحزب الذي يحظى بالأغلبية في البرلمان، يجب أن يتولى رئاسة الحكومة”.
بينما حرص جمال ولد عباس الذي خلفه، وكان أكثر انضباطاً من السعيداني، وحتى أقرب إلى الأسرة الحاكمة، أن يتفادى المطالبة بأحقية رئاسة الحكومة من الرئيس بوتفليقة.
ولكن أغلب قادة الجبهة، يتفقون مع سعيداني، إذ قال أحدهم “لا يمكن أن نتصور أن يحظى حزب آخر بالأغلبية، فضلاً عن أنه لا يمكننا أن نتخيل ألا يكون رئيس الحكومة المستقبلي من صفوف حزبنا”.
ولكن ما يحدث الآن من خلافات يبدو وكأنه نوع مختلف من المشاحنات، والخلافات والغيرة التافهة التي تشوب العلاقات بين جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، منذ إنشاء حزب التجمع الوطني، حسب تقرير الصحيفة الفرنسية.
فقبل شهرين من بداية الانتخابات التشريعية، التي ستعقد في شهر مايو/أيار 2017، أخذ التنافس بين الأخوين العدوين يحتد في سبيل الحصول على أغلبية المقاعد في المجلس الشعبي الوطني.
الضربة القاضية
جبهة التحرير الوطني، التي كانت تعمل تحت رئاسة، جمال ولد عباس، هي الحزب الأوفر حظاً للحصول على أغلبية المقاعد في المجلس، نظراً لأنه يحظى بالأغلبية في المجلس الحالي عن طريق 220 نائباً، حسب جون أفريك.
سدد هذا الحزب، الذي يحظى بدعم من بوتفليقة، ضربة قاضية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، حيث قام بترشيح سبعة أعضاء من حكومة عبد المالك سلال، وثلاثة وزراء سابقين للانتخابات البرلمانية.
في المقابل، سيختار أحمد أويحيى 68 نائباً من أصل 614 مرشحاً للظفر بمقاعد البرلمان، من بينهم وزير واحد وسبعة رجال أعمال.
وترى جون أفريك، أن المنتمين لحزب التجمع الوطني الديمقراطي يعتبرون من خيرة الشباب المهرة، والنزيهين.
خلال الانتخابات التشريعية السابقة، حامت العديد من الشكوك حول حقيقة شراء بعض مرشحي جبهة التحرير الوطني لمقاعد في البرلمان.
وفي هذا السياق، أعرب عضو سابق في اللجنة المركزية عن أسفه، نظراً لأن العديد من رجال الأعمال قد سيطروا على جبهة التحرير الوطني بتواطؤ مع النظام السابق. وأفاد المصدر ذاته، أنه “يجب وضع حد لتلك التجارة الملتوية، والسياسة القذرة التي يتبعها هذا الحزب”.
المشكلة الكبرى
تحتدم المنافسة في الخفاء بين كلا الحزبين حول قضية شائكة للغاية، على الرغم من أن قياداتهما لا تتجرأ على طرح هذه المشكلة على الملأ.
هذه المشكلة هي تحديد من سيكون خليفة الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، الذي احتفل بعيد ميلاده الـ80 يوم 2 مارس/آذار 2017.
وفي هذا السياق، يظل المستقبل السياسي للرئيس أمراً طي الكتمان، على الرغم من إصابته بالشلل نتيجة سكتة دماغية تعرض لها خلال سنة 2013.
واللافت أنه لَم يستبعد أحد أن بوتفليقة سيترشح لولاية خامسة خلال الانتخابات القادمة.
وفي الوقت ذاته، فإن هناك طموحات لدى كثيرين من أجل خلافة بوتفليقة، وعلى رأسهم كل من أحمد أويحيى وسلال وبلخادم، إذ إنهم يعتبرون مرشحين محتملين ليحلوا محله، علماً أن الحزب الذي يحظى بالأغلبية في البرلمان، سيتمتع بثقل سياسي يصب في صالحه عندما يحين وقت تعيين رئيس جديد للجزائر.
جون أفريك تساءلت هل فعلاً يمكن اعتبار كل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، تنظيمين متنافسين فيما بينهما؟
هذا السؤال أضحك المسؤولين القدماء والجدد على حد سواء، في الحزبين. وفي هذا الصدد، ذكر بلقاسم ملاح، أحد مؤسسي التجمع الوطني الديمقراطي، أنه “ليس هناك تنافس بينهما، بل هما وجهان لعملة واحدة، وحتى الرئيس نفسه لا يفرق بينهما”.
“أب مع أطفاله”
وأكد نور الدين بحبوح، الذي ترأس المجموعة البرلمانية للتجمع الوطني الديمقراطي بين سنتي 1997 و1999، أنه “لا يمكن فعلاً أن نتحدث عن وجود تنافس مع الجبهة، خصوصاً أن الحزبين يطبقان برنامج الرئيس ويصوتان لنفس القوانين”.
وفي السياق ذاته، أفاد أحد المتعاونين السابقين مع سلال، أنه “في مشاورات الحكومة، لا نميز بين وزير من جبهة التحرير الوطني أو من التجمع الوطني الديمقراطي، أما في حال تأكد وجود تنافس أو صراعات من أي نوع بين وزيرين، فسيصبحان خارج اللعبة السياسية والأيديولوجية”.
وعندما سئل هل هناك فعلاً منافسة بين وزيرين من الحزبين؟ أجاب: “لم يحدث ذلك أبداً… يتعامل الرئيس معنا كما يتعامل الأب مع أطفاله…”
“طفل بشارب”
ولكن من المثير للاهتمام أن التنافس بين الحزبين حقيقي، حسب الصحيفة الفرنسية، وتمتد جذوره لعشرين سنة مضت.
وبدأت هذه المنافسة عندما تأسس التجمع الوطني الديمقراطي. وخلال سنة 1995، أي بعد سنة فقط من تولي اليمين زروال للرئاسة، حيث شهدت جبهة التحرير الوطني فراغاً سياسياً على الرغم من أنها تمثل العمود الفقري للسياسة الجزائرية منذ الاستقلال.
وخلال الحرب الأهلية فكرت السلطة ملياً في تطوير أجهزتها السياسية وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني.
وفي هذا الإطار، قال آنذاك، عبد الحق بن حمودة، وهو نقابي في صفوف الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وقد تعرض لمحاولتي اغتيال، إن “الجزائر تحتاج لحزب قومي وديمقراطي لإنقاذ البلاد من “العدار” الإسلامي”. (يُقصد بالعدار هنا الأفعى العملاقة وهنا استعمل الكاتب هذه العبارة للتشبيه)
وبعد مرور أربعة أشهر على إنشائه، أغار التجمع الوطني الديمقراطي على كل البرامج السياسية لحزب جبهة التحرير الوطني وقاموا بسلبها من بين يدي منظمته الجماهيرية ونشطائه وكوادره.
وقد لقب التجمع في تلك الفترة “بالطفل ذي الشارب”، بما أنه ظفر بمقاعد الأغلبية في مجلس النواب، فضلاً عن 12 وزيراً في السلطة التنفيذية، كما أن رئيس الحكومة ينتمي إليه، إضافة إلى المستشار الخاص لزروال. وبذلك، أصبح التجمع الوطني الديمقراطي قوياً أكثر بمرتين من جبهة التحرير الوطني.
وفي هذا السياق، صرح أحد أعضاء جبهة التحرير الوطني، في حديثه عن تأسيس التجمع “كان تأسيسه بالنسبة لنا بمثابة خيانة، في حين أن دخوله في الحياة السياسية كان أشبه بالاغتصاب السياسي”.
وتساءل العضو في جبهة التحرير الوطني، آنذاك، بوعلام بن حمودة، “لماذا تختارون عشيقة بينما الزوجة موجودة”.
“جبهاوي” إلى حد النخاع
في الحقيقة، لم تستمر سيطرة التجمع الوطني الديمقراطي سوى سنتين فقط، حيث انتهت، تحديداً، مع نهاية فترة ولاية زروال، في شهر سبتمبر/أيلول من سنة 1998، وفي ذلك الوقت، شرعت مختلف الأطراف في البحث عن رئيس جديد، خاصة أن سياسة الإجماع لم تنفع وقتها.
وقد ترتب على اختيار بوتفليقة انقسام داخل جبهة التحرير الوطني، وبغية فض النزاع تدخل الجنرال محمد مدين، الذي عادة ما كان يتخذ أبرز القرارات من خلف الكواليس، حيث أكد “لقد قمنا باستفتاء، وحصل بوتفليقة على أكبر عدد من النقاط، وهو “جبهاوي” إلى حد النخاع”.
ساعة الخلافة
جمع بوتفليقة من حوله، خلال مراسم تنصيبه في القصر الرئاسي، عائلته السياسية المقربة ليدخلها في دهاليز السلطة دون العودة للتجمع الوطني الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، عين زميله السابق في الجيش، محمد شريف مساعدية، على رأس جبهة التحرير الوطني. وفي 2002، حصلت الجبهة على الأغلبية في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية.
فهل يمكن أن تعود الانشقاقات من جديد في الجبهة، وهل تعود أيام التجمع الوطني الوردية؟
وفي هذا السياق، قال رجل من المرادية (مقر قصر الرئاسة)، إنه “يجب أن نتذكر أن بوتفليقة لايزال موجوداً، والحزبان يسيران في الاتجاه نفسه، أي أنهما ما زالا يخوضان تنافساً، كما جرت العادة بينهما منذ 15 سنة.
واستدرك قائلاً “لن يعاد توزيع الأوراق من جديد إلا في حال تطرقنا بجدية إلى موضوع خلافة بوتفليقة. وفي هذه الحالة، سيبرز التنافس الشديد بين الحزبين بشكل أوضح”.
“هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Jeune Afrique الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.