المغرب بعيون جزائرية

تحط الطائرة تدريجياً بمطار محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء، تعانقها المروج الخضراء الممتدة امتداد البصر، تضاريس شبيهة بتلك الموجودة في بلدي الجزائر، تشابه مبهر ولّد في نفسي العديد من التساؤلات، سرعان ما يجيب عنها امتداد السلاسل الجبلية من الجزائر إلى المغرب، ممثلة في سلسلة جبال الأطلس، وليست الجغرافيا وحدها من تجيب على هذا التشابه، بل التاريخ أيضاً وعقود من التلاحم والمحبة وحسن الجوار، وبين التاريخ والجغرافيا صوت المضيفة مخاطباً الركاب: “مرحباً بكم في مطار محمد الخامس بالمملكة المغربية”.

قبل أكثر من خمس وعشرين سنة، زرت المغرب، وقد كنت طفلاً حينها، بالكاد أحتفظ بذكريات عن مدن وجدة والحسيمة وبركان، واليوم أزوره في مهمة عمل، مُخفياً الكثير من القلق والتساؤلات المزعجة التي تحاصرني منذ علمت بالمهمة، وعقلي لا يكف عن السؤال: كيف ستكون المعاملة يا ترى؟ وأنا الآتي من بلد يسميه الإعلام الرسمي المغربي (الجارة الشرقية)، ويعتبره السبب الأوحد والوحيد، العابث بما يسمى في الخطاب الرسمي المغربي (الوحدة الترابية)، وقبل أن أتوقع أي إجابات، يحين دوري لختم الجواز، ثوانٍ قليلة تفصلني على دخول البلد، مرت كأنها ساعات، وأنا الواقف أمام شرطي الجوازات يقلب صفحات جوازي، صفحة صفحة، فجأة ابتسم وكأنه يتحسس قلقي: مرحباً بك في بلادك، أنتم خوتنا (باللهجة المغربية) إخوتنا، عبارة لا يزال صداها يتردد في أذني إلى اليوم، بل ويسيطر على تفكيري كلما فكرت في مشروعنا الحضاري المجهض (الاتحاد المغاربي).

خرجت من المطار، والتقيت بمن استقبلنا من الأشقاء المغاربة؛ لتشق السيارة طريقها إلى مدينة الدار البيضاء، أتأمل البيوت والناس، فإذا المشاهد نفسها، خليط جميل من الملامح الأمازيغية والعربية، بيوت متناثرة، وبعضها مجمع في أحياء جميلة ومتناسقة، بطراز أندلسي عريق، لا ينافسه إلا الألوان الزاهية التي تتخلله، لافتات مرورية باللغتين العربية والفرنسية، شيء من الزحمة، وشيء من احترام قوانين المرور، وأشياء من عدم احترامه، تماماً كما هو الحال في بلدي، أشكل عليَّ التمييز، واستسلمت أخيراً وأقنعت نفسي بأن أكف عن المقارنة، وكيف السبيل لأقارن، وهموم الحياة نفسها تعتصر القلوب، يعبر عنها بطلاقة سائق ساخط على غلاء المعيشة، وتخبط الحكومة حسبه، يذكرني بسائق التاكسي بالجزائر وهو ينقلك من مدينة لأخرى، ويذهلك بتحليله للأداء الحكومي، كأنك في حضرة كلية متنقلة للعلوم السياسية، ذاكرة جماعية تشاركية بامتياز،

نفس المواقف من القضايا الراهنة لشعوب هي الأخرى رهينة الخيارات السياسية، تخنقها نفس الحسرة على سوء العلاقات وغلق الحدود البرية بين البلدين، تواصل السيارة طريقها، وبين شوارع وأزقة مدينة الدار البيضاء، ما زلت غير مميز بين بيئة جزائرية ولدت وتربيت فيها، وبين بلد أكتشف معالمه مثقلاً بفصول من اللاتفاهم والمناكفة، والتصريح والتصريح المضاد، والأخطر من ذلك، الملايين التي تنفق في سباق محموم نحو التسلح، لتعزيز واقع، الخاسر فيه هي شعوب لها من القواسم المشتركة، وفرص التكامل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ما يؤهلها، أن تكون من أحسن وأنجح التكتلات في العالم.

ليست الأنظمة في البلدين وحدها من تروج أن ما آلت إليه العلاقات الجزائرية المغربية اليوم هو عداء كامن في نظامي البلدين يتصيد كل منهما الفرصة المناسبة للانقضاض على الآخر، بل على الجانبين وسائل إعلامية تدق طبول الحرب والكراهية، غير آبهة بخطورة ما تروج له، أبواق إعلامية عملت على مر السنين على تحويل كل بلد إلى العدو الذي يجب أن يُحترس منه، فالمُطَّلِع على عناوين الصحافة في البلدين، يدرك جلياً حجم التعبئة الممنهجة، التي جعلت من العداء للجزائر في المغرب، والعداء للمغرب في الجزائر، موقفاً يدل على وطنية صاحبه، حتى أضحى الاستعداء مرادفاً للوعي والوطنية والإيمان بقضايا الأمة، مفوتين على أنفسنا كشعوب ودول صفحات من المجد، كان بالإمكان التفنن في رسمها،

لو أدركنا حجم التحديات التي تواجهنا، وحجم الخسائر الاقتصادية الفادحة التي نتكبدها، ونحن كالأغنام المفرقة، يتربص بنا القريب قبل البعيد، غارقون في الاستمتاع بتحويل بلداننا إلى حدائق خلفية، مستباحة الخيرات، مسلوبة القرارات، لا تتقن إلا شيطنة الآخر، خلاف حوَّل بقدرة قادر كل بلد إلى مسؤول على أزمات البلد الآخر، من الكهرباء إلى تراجع العملة وخنق الحريات واستفحال البطالة وفشل الخطط الاقتصادية وغيرها من التحديات التي تعصف بالبلدين، والمُحزن فئات من الناس، تتنفس هذا الطرح وتروّج له، بل والمؤسف أيضاً أن منهم المثقفين والأكاديميين؛

لتتحول منصات التواصل الاجتماعي اليوم إلى شاهد على استغفال الشعوب، ورهن عقولها، بما يخدم أجندات سياسية مقيتة، لأطراف تتفنن الهوشة صباحاً، وقد تتقاسم نفس الوجبة بأحد المطاعم الباريسية الراقية مساء، تاركة وراءها شعوبا لم تقرر بعد موقفها، من وضع لا يليق بمستوى شعبين ضاربين في العراقة، والثراء الحضاري، والإسهام الفكري والعلمي والمعرفي؛ لتتحول العلاقة بين البلدين إلى صراع امتد حول أصل أغنية الراي، صراع بنكهة عالمية احتضنت فصولَه منظمة اليونيسكو قبل أشهر قلية.

لم تكن زيارة المغرب زيارة عادية، بل كانت محطة أثارت في النفس المشاعر المتناقضة، بين إحساس بالغبطة، وأنا بين شعب نحبه ويحبنا، بين أشقاء لنا سطَّرنا معهم أجمل فصول الكفاح والنضال ضد المستعمر الفرنسي، تماماً كما سطر أجدادنا ملاحم من نشر الإسلام وأخلاقه السمحة، وصَوْلات من التفوق والنبوغ والبراعة في العلوم والهندسة والمعارف، وبين مشاعر الأسى على فُرقة محزنة، للأسف تسللت إلى بعض ذوي العقول الضيقة، فُرقة تَبنّت زوراً وبهتاناً اعتبار البلدين عدوين لدودين، وجب على كل واحد منهما الاحتراس من الآخر، فُرقة جعلت من السعي في توضيح الحقائق والروابط والوشائج التي تجمع، فرض عين على كل ذي ضمير ووعي بخطورة الوضع، وانعكاساته السلبية على مستقبل البلدين والشعبين الشقيقين.

تستمر فصول الشقاق بين البلدين على الصعيد الرسمي، ويستمر معها تدفق المحبة الأخوية الصادقة بين الجزائريين والمغاربة، تلاحم مغاربي منطقي وعقلاني، على الفطرة والسليقة، لم تَطَلْه الروايات والادِّعاءات الُمغرضة، تراحم جميل حد المثالية، تشهد به أواصر التواصل والتعاون والتراحم بين الجاليات المغاربية في ديار الغربة، فأن تكون مغربياً يصحب جزائرياً، أو جزائرياً يصحب مغربياً، فذاك مشهد مألوف ويومي، تشهد عليه شوارع المدن الفرنسية والبلجيكية والإسبانية، وكل مدينة في العالم احتضنت الجالية المغاربية، قبل أن تشهد عليه حواضر العلم والأصالة بقسنطينة وتلمسان وفاس ومراكش، وإلى أن تعي شعوبنا أن الاتحاد المغاربي يجب أن يكون مطلباً في قلب الوعي الشعبي المشترك، سنظل نصدح بالحقيقة أننا شعب واحد، والمحبة وحدها هي فقط ما يليـق بنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top