ناشيونال إنترست: هل ستكون الولايات المتحدة ضحيَّة نجاحها في سوريا؟

القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي بالتدخل العسكري المباشر في سوريا من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أثار حالة من التساؤل حول مستقبل تلك القوات وكذلك الأراضي التي سيتم تحريرها من داعش.

ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط نيكولاس هيراس، في مقال له بمجلة “National Interest” الأميركية أن التحدي الذي تواجهه إدارة ترامب في سوريا هو أن الولايات المتحدة قد تصبح ضحيةً لنجاحها؛ فبمواصلة الحملة ضد داعش، سيُنشئ الجيش الأميركي منطقة سيطرة أميركية على الأرض على امتداد مساحةٍ واسعة من شرقي سوريا، مما يعرضها لخطر أكبر.

ونصح الباحث السياسي الإدراة الأميركية قائلاً “إذا كان فريق ترامب مُستعداً للمُضي قدماً بسرعة في حملة هزيمة داعش، فعليه أن يُوضِّح للشعب الأميركي جلياً أنَّ هذه مهمة ليس لها جدول زمني مُحدَّد. وكذلك حضور عسكري أميركي محدود، يصل إلى بضعة آلاف من الجنود، في المناطق الاستراتيجية شرقي سوريا.

وإلى نص المقال

كان الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والذي عُقِد في العاصمة الأميركية واشنطن، معلماً هاماً على الطريق بالنسبة لمهمة فريق ترامب لإلحاق الهزيمة التامة بالخلافة المزعومة في العراق وسوريا.

وافتتح وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، الاجتماع بالقول بصورةٍ قاطعة إنَّ تهديد داعش سيكون على رأس أولويات الإدارة الجديدة، وإنَّ الولايات المتحدة ستستثمر في تأمين استقرار المناطق التي استُعيدت من داعش، بُغية تحقيق هذا الهدف الشامل. وحدَّد تيلرسون سوريا بصورةٍ صحيحة باعتبارها أولويةً لإرساء الاستقرار في مرحلة ما بعد داعش.

يتمثَّل التحدي الذي تواجهه إدارة ترامب في سوريا في أنَّ الولايات المتحدة قد تصبح ضحيةً لنجاحها؛ فبمواصلة الحملة ضد داعش، سيُنشئ الجيش الأميركي منطقة سيطرة أميركية على الأرض على امتداد مساحةٍ واسعة من شرقي سوريا. وبخلاف الحال في العراق، حيث تُعَد بغداد دولة فاعلة اختار الجيش الأميركي العمل معها، وفيها، ومن خلالها لخوض المعركة ضد داعش، ترفض الولايات المتحدة العمل مع دمشق. وستتجنَّب فقط الاصطدام مع العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الروسي في بعض الأحيان نيابةً عن رئيس النظام السوري بشار الأسد، والتي تستهدف تنظيمي داعش والقاعدة. وخلال عهدي أوباما وترامب، عملت الولايات المتحدة وفقاً للفرضية القائلة بأنَّ سوريا تُمثِّل فضاءً استراتيجياً، وليست دولة فاعلة تتمتَّع بالسيادة على كامل إقليمها، إلى جانب استبعاد الأسد من أي عمليةٍ لتحقيق أي هدفٍ أو غرض.

وحينما يُرغَم داعش على الخروج من “عاصمته” العراقية في الموصل، وهو ما يبدو أنَّه سيتم في المستقبل القريب، ستؤول السلطة النهائية الكاملة على الأراضي المُحرَّرة من التنظيم في العراق إلى الحكومة العراقية، التي تعمل مع الفاعلين المحلِّيين. وعلى النقيض من ذلك، في شرقي سوريا، تتواجد حكومة الأسد في قليلٍ من المراكز العسكرية المتناثرة والمُحاصَرة، ويتمثَّل أكثرها أهميةً في قاعدة عسكرية تقع خارج مدينة دير الزور في وادي الفرات الأسفل بالقرب من الحدود السورية العراقية. وتنازلت حكومة الأسد، المُشَتَّتة بفعل القتال في غربي سوريا، والنقص الخطير في الطاقة البشرية في جيشها، حتى على الرغم من دعم الحرس الثوري الإيراني وشبكته من الميليشيات الشيعية شبه العسكرية والجيش الروسي، عن الحرية العملياتية للجيش الأميركي لشن حملةٍ ضد داعش في مختلف مناطق شرقي سوريا.

ومنحت أوجه القصور في دمشق كشريكٍ في مكافحة داعش الولايات المتحدة الفرصة لشن حملتها في شرقي سوريا بحريّةٍ كاملةٍ تقريباً، لكنَّ أوجه القصور تلك تضع عبء إرساء الاستقرار في المناطق المُحرَّرة من داعش على كاهل الجيش الأميركي. وبدوره، أمَّن الجيش الأميركي قواته المحلية الشريكة، من تحالف قوات سوريا الديمقراطية والقوات المتعاونة معها من التحالف العربي السوري، وهو تحالف مُتعدِّد الأعراق ذو أغلبية كردية ويضم عدداً متزايداً من العرب المحلِّيين، وباقي الجماعات العرقية والطائفية الأخرى. ويُعَد تحالف قوى سوريا الديمقراطية مثيراً للجدل لأنَّ عدداً كبيراً من مليشياته الكردية المكوِّنة له مُتأثِّرة بحزب العمال الكردستاني، وبالتالي تُعاديه تركيا.

وعلى الرغم من مخاوف تركيا، يبدو الجيش الأميركي مستعداً للعمل إلى جانب، ومع تحالف قوات سوريا الديمقراطية والتحالف العربي السوري لحصار الرقة، بهدف السيطرة على المدينة بحلول الصيف. ويستعد ألف جندي أميركي آخرين أو أكثر للانتشار في سوريا للعمل مع تحالف قوات سوريا الديمقراطية والتحالف العربي السوري من أجل تحقيق هذا الهدف. ومن خلال تسريع الجدول الزمني لعملية الرقة، والحملة المتزامنة معها في دير الزور، ومع الشركاء السوريين المحلِّيين الذين اختارهم الجيش الأميركي، يمكن لإدارة ترامب أن تتوقَّع سيطرةً كاملة على منطقة كبيرة في شرقي سوريا. ويُتوقَّع أن تُستبعَد تركيا من هذه المعادلة.

إنَّ هذا النهج محفوفٌ بالمخاطر، وقريباً سيكون على الرئيس ترامب أن يُحدِّد مدى رغبته في زيادة استثمار الولايات المتحدة على الأرض في شرقي سوريا، وتحديد الشركاء الذي سيقوم معهم بذلك. وتُشير تصريحات ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، وشهادة القائد العام للقيادة الأميركية الوسطى، الجنرال جوزيف فوتيل، أمام مجلس الشيوخ في الـ9 من مارس/آذار الحالي، وهو المُكلَّف بالإشراف على العمليات العسكرية في سوريا، إلى أنَّ القوات التقليدية الأميركية قد تكون ضرورية ضمن مهمة لإرساء الاستقرار في سوريا، ما يدل على حجم التحدِّي المُحدِق بالولايات المتحدة في شرقي سوريا.

ويستعد داعش بالفعل لهذا السيناريو، وهو مستعد لبدء تمردٍ في المناطق الريفية جنباً إلى جنب مع عملياتٍ وهجماتٍ إرهابية في المناطق الحضرية لتقويض أي أمنٍ أو سلطة حكومية قد تُنشئها القوات الأميركية وشركاؤها المحلِّيون. وهناك مخاطرة حقيقية أمام إدارة ترامب بأن تتورَّط أي مهمة لإرساء الاستقرار في شرقي سوريا في مستنقعٍ إذا ما اختار داعش، أو حكومة الأسد وحلفاؤها في غربي سوريا، شن عملية تمرُّدٍ نشطة ضد الأميركيين والقوات الحليفة لهم. وسيكون الحصول على الدعم العسكري من شركاء إقليميين رئيسيين مثل تركيا، ودول الخليج العربية، والعراق، والأردن هو الأمر الأمثل؛ ومع ذلك، هناك عقبات تحول دون مشاركة هؤلاء الشركاء في وصايةٍ عسكريةٍ بقيادةٍ أميركية في مرحلة ما بعد داعش.

وتُعَد تركيا من الناحية الجغرافية بعيدةً عن مناطق سيطرة داعش الرئيسية على طول نهر الفرات في شرقي سوريا، وهي لن تعمل مع الشركاء الذين اختارهم الجيش الأميركي، قوات سوريا الديمقراطية والتحالف العربي السوري. في حين تُركِّز دول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على الحرب في اليمن، التي تبرز بسرعة باعتبارها ساحة بارزة للصراع بالوكالة بين إيران والسعودية في المنطقة، ولا تُظهِر سوى إشاراتٍ قليلة فقط على اتجاهها نحو الهدوء. ويمتلك الأردن قدرةً استكشافية، وعملت على تدريب قوات سورية سُنّيّة محلية مناوئة لداعش في العراق وسوريا بالشراكة مع الجيش الأميركي، لكنَّ وجوداً عسكرياً لأجل غير مسمى في شرقي سوريا من شأنه أن يُشتِّت الجيش الأردني في وقتٍ تسعى فيه المملكة الهاشمية للتركيز على عمليات الحدود والأمن الداخلي.

وسيكون العراق على ما يبدو شريكاً مثالياً في شرقي سوريا؛ ومع ذلك، لا تزال قوات الأمن العراقية قيد إعادة البناء، وستكون مُستنزَفة للغاية في عمليات حفظ الأمن في المناطق المُحرَّرة من داعش في غربي العراق. ومن شأن النفوذ السياسي الإيراني في صفوف قوات الحشد الشعبي، والنفوذ القوي للحرس الثوري الإيراني على قوات الأمن العراقية أن يجعلا من القوات العراقية شريكاً غير مُحبَّذ للولايات المتحدة من وجهة نظر السكان المحلِّيين في سوريا.

وتعني كل تلك القيود على تلك القوى الشريكة على الأرجح أنَّ إدارة ترامب لن تكون لها قوة تدخُّل شرق أوسطية جاهزة لتقف إلى جانبها استعداداً لمرحلة ما بعد داعش في شرقي سوريا، وأنَّها ستحتاج إلى خوض هذا الأمر بمفردها إلى جانب شركائها السوريين الموجودين لديها. وبإمكان إدارة ترامب دائماً أن تختار تسليم المناطق المُحرَّرة من داعش إلى حكومة الأسد، على الأرجح عبر اتفاقٍ مع روسيا، لكنَّ هذا القرار لن يحظى بقبولٍ من جانب الشركاء الإقليميين الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة.

ومن المستبعد كذلك أن يكون إرساء الاستقرار في تلك المناطق في شرقي سوريا، والتي كانت مستقلة بشكل عام عن حكومة الأسد منذ 2012، من خلال قوة احتلالٍ تتألَّف من الميليشيات الشيعية التي يُحرِّكها الحرس الثوري أمراً سهلاً. وينطوي مثل هذا الجهد الذي يهدف إلى إرساء الاستقرار على مخاطرة بعودة ظهور داعش، وستتحمَّل روسيا وإيران، وليست الولايات المتحدة، عبء وتكلفة هذا الجهد.

إذا كان فريق ترامب مُستعداً للمُضي قدماً بسرعة في حملة هزيمة داعش، وعلى استعداد لتحمُّل كلفة إرساء الاستقرار في المناطق المُحرَّرة من داعش في شرقي سوريا، فعليه أن يُوضِّح للشعب الأميركي جلياً أنَّ هذه مهمة ليس لها جدول زمني مُحدَّد. وسيتمثَّل السيناريو الأكثر ترجيحاً في حضورٍ عسكري أميركي محدود، يصل إلى بضعة آلاف من الجنود، في المناطق الاستراتيجية شرقي سوريا، يُقدِّمون الدعم لقوات سوريا الديمقراطية والتحالف العربي السوري، اللذين سيدعمان بدورهما “قوة ثالثة” من المجالس العسكرية المحلية المُكوَّنة من مليشيات قَبلية كانت خاضعةً لداعش في السابق. وقبل أي شيءٍ آخر، يجب على إدارة ترامب أن تسعى إلى تكثيف الاستثمار في الوصاية العسكرية الأميركية في شرقي سوريا للحصول على نفوذٍ يمنح الولايات المتحدة، باعتبارها أحد الأطراف صاحبة المصلحة في سوريا، عمليةً تُفضي إلى إطارٍ سياسي أوسع لإنهاء الحرب الأهلية.

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة National Interest الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top