الناجون من غارات الموصل تَرَكُوا أسرهم تحت الأنقاض.. وهكذا كانوا يسمعون صراخ الأطفال

بأيدٍ مجروحة جراء الحفر، وبأجساد مغطاة بالتراب، لجأ علي أسد وقريبه إلى خيار يائس؛ لقد قررا ترك أسرتهما تحت أنقاض بيتهما في الموصل، والفرار بينما مازالا قادرين على ذلك.

كان الرجلان ضمن المئات الذين جرى إخلاؤهم يوم الأحد 26 مارس/آذار 2017، خلال توقف القتال الناتج عن الغضب بسبب ارتفاع حصيلة القتلى من المدنيين جراء الغارات الجوية التي تتابعت على المدينة وسكانها المحاصرين خلال الأيام الثمانية الماضية، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية .

ومع توقف المعارك البرية نتيجة لذلك، غادرت العديد من العائلات التي احتمت بالأنقاض، أو حاولت الاختباء فيما تبقى من منازلهم، الموصل جماعات وفرادى. ومع وصول العديد منهم إلى مراكز إيواء اللاجئين في مشارف المدينة الجنوبية، في حالة مزرية من الصدمة والجوع، حكوا قصة أسبوع من الفزع.

أبي مات أمامي

قال علي (32 عاماً) بينما يعقد كفيه المصابتين “مازال هناك ستة من عائلتي تحت أنقاض منزلنا. رأيت أبي يموت أمامي، بالإضافة إلى شقيقي وشقيقتاي واثنين من أقاربي. نجت أمي، قبل أن يصبيها انفجار آخر، متسبباً في سقوط كتلة إسمنتية فوقها، إنها مصابة بشدة”.

قال الرجلان أن 15 فرداً دُفنوا تحت أنقاض 3 بيوت في منطقة اليرموك في الموصل، إثر سلسلة من الغارات الجوية في 22 مارس/ آذار 2017. جرت هذه الهجمات وسط وابل من الغارات الأخرى الداعمة لتقدم القوات العراقية البري الذي بدأ في 17 مارس/ آذار 2017.

في ذلك اليوم، قُصف حي الجديدة بالموصل مراراً، ما أدى إلى سقوط عدد من المدنيين، قد يكون الأعلى جراء أي غارة جوية في المنطقة منذ غزو العراق قبل 14 عاماً. قُتل 150 شخصاً على الأقل، معظمهم خلال الخمس أيام الأولى التي استغرقها وصول المساعدة.

ويُعتقَد أن حوالي 80 شخصاً قد لقوا مصرعهم أثناء اختبائهم في أقبية أحد المنازل التي أصابها القصف، وهو أكبر منازل الحي السكني، حيث لجأت عائلات السكان للاختباء.
وأضاف علي أن عشرات الأشخاص بقوا مدفونين تحت الحطام في أحياء اليرموك والجديدة “لا يوجد دفاع مدني، ولا فرق للإنقاذ. نحن وأيدينا فقط، كان على كل شخص الدفاع عن نفسه”.

و تلقي السلطات المحلية باللوم على القتال باعتباره سبباً لغياب جهود الإنقاذ المنسقة، إذ أسفر القتال عن عقبات على الأرض مع محاولة داعش لتعويض خسائرها والحفر حول وسط غرب الموصل، وهي المنطقة المكتظة بالبيوت والطرق الضيقة.

مصير الأطفال

وروى الكثير من الناجين من القتال عن صراخ أشخاص، من ضمنهم أطفال، طلباً للمساعدة من تحت الأنقاض، إلا أنهم لم يتلقوا المساعدة من السلطات المحلية، ولم يتمكنوا من الوصول إلى أي من معدات الحفر لاستخدامها بأنفسهم.

قال عبد الوهاب هاشمي، أحد من جرى إجلاؤهم، “لم يكن هناك ما يمكننا فعله”، وأضاف أن جثث جيرانه بقيت مدفونة تحت ركام منزلهم في حي المنصور.
سكان غرب الموصل هم الأكثر استهدافاً في المعركة ضد الجماعة الإرهابية. ويُعتقد أن حوالي 350 ألف شخصاً باقين في المدينة، تستخدم داعش بعضهم كدروع بشرية، ويعجز الآخرون عن الفرار حتى يتوفر لهم طريقاً لذلك.

وحتى في تلك الحالة، فالفرار هو رحلة خطيرة من السير عبر ساحة القتال، ثم رحلة محفوفة بالمخاطر إلى إحدى مخيمات اللاجئين. قال جوناثان ويتال، أحد منسقي المشروعات في المركز الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود جنوب الموصل “شهدنا موجة مقلقة من وصول المرضى إلى مشفانا بعد تأخر ملحوظ وصل إلى 4 أيام”.

وأضاف “قابلت أب وابنه مؤخراً، قضيا 4 أيام عالقين تحت الأنقاض إثر إحدى الغارات الجوية، ووصلا إلينا مرهقين وجائعين وذاهلين. كما أن المصابين الآخرين البعيدين عن الخطوط الأمامية في غرب الموصل، لا يمكنهم الوصول إلينا إلا بعد تحرك خط الجبهة وتمكنهم من الفرار. نحن قلقون للغاية بشأن المرضى غير القادرين على الوصول إلينا والذين تأخر علاجهم”.

المركز الطبّي فارغ

للمرة الأولى منذ افتتاحه قبل عدة أشهر، كان المركز الطبي، الأكبر في المنطقة، فارغ تقريباً يوم الأحد. عالجت منظمة أطباء بلا حدود -منذ ذلك الحين- وحدها حوالي 1500 شخص من الصدمات المتعلقة بالنزاع، من ضمنها حالات حرجة أو مُهدِدة للحياة.

وقال أفراد الطاقم الطبي الداعم لعملية الموصل إنه من العسير تحديد نسبة الإصابات التي يعالجونها الناتجة عن الغارات الجوية مقارنة بأسلحة الحرب الأخرى. إلا أن العدد المرتفع للأشخاص المدفونين تحت الأنقاض يشير إلى أن هذه الغارات قد أسفرت عن نسبة مرتفعة من الإصابات.

من ناحيتهم، أقر المسؤولون العسكريون الأميركيون بأن الضربة التي أصابت حي الجديدة في الموصل قامت بها طائرات التحالف، بطلب من المسؤولين العراقيين. وبدأت القيادة المركزية الأميركية تحقيقاً رسمياً. وعلى الرغم من توقف القتال البري يوم الأحد ، إلا أن الطائرات المقاتلة مازالت تحلق في سماء الموصل. وأعلن المسؤولون الأميركيون عن 5 غارات استهدفت داعش بالقرب من الموصل، جرى تنفيذها يوم السبت.

في معسكر إيواء اللاجئين، قال اللواء هشام الأسدي، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات للقوات الخاصة العراقية “نحاول تقنين الإصابات قدر الإمكان، إلا أن داعش تختلط بهم. وهم سعداء بقتل المدنيين. هذه حرب، نتمنى لو أن الوضع كان مختلفاً”، وقال عن اللاجئين “إنهم لا يتحدثون بكلمة حين يصلون إلى هنا، نخبرهم بأنه ليس عليهم الخوف بعد الآن، ثم نأخذهم للمعسكرات”.

في الطريق عبر الساحة المليئة بالقمامة، حيث تنقل الحافلات العسكرية أحدث لاجئي الموصل، مرت قافلة أميركية، بينما كانت الطائرات المقاتلة تؤثر فوق الرؤوس. إلا أن وجودها لم يثر اهتمام الرجال والصبية المصطفين للحصول على الماء، ولم يبد أحد على استعداد للوم أي طرف على فجيعتهم. اقترب أبٌ من مراسل الغارديان قائلاً “ابني يحب مذاق الكعك الأميركي، هل لديك أي منها؟”.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top